ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

بقلم محمد علي علي

 

أيها  المهاجر !

 

 


 الموت غربة فغربة وغربة   ، أما الغربة فموت وموت وموت !


أيتها الطيور المهاجرة إلى بلاد البرد والصقيع ، يا من تسكنون في أعشاش باردة كالموت ،


 إني أرى في عيونكم الدموع !
 إني أرى في عيونكم بريق الشوق والحنين إلى حضن الأم الدافئ ،إلى مهدكم الطفو لي ، إلى روابي

 وتلال بلادكم التي تلوح في أفاق ذاكرتكم المثخنة بآهات تئن كلما هب نسيم من الشرق ، فتوقظ في روحكم الحزينة جروحا تنزف ألما وحسرة ، بل بكاء طفوليا ودموعا تروي ظمأكم للتلاقي مع الأم في أيام العيد ،مع الأب أيام العمل ، مع الأخ والأخت أيام الأعراس والأفراح ، مع الأصدقاء في السهرات والدردشات على الطرقات  ، أمام أبواب البيوت ، و في الحارات ، حيث مازالت تفوح منها عطركم ، عطر الشباب وذكريات الطفولة .
تبا لتلك السعادة التي تحملنا ريحها عنوة ، كأوراق الخريف المصفرّة ، ولكي نبلغها لابد أن  يكتسينا الحزن كل فصول العمر: ربيعه زاهر بالأزاهير الملونة، ولكن أريجه معطر باللوعة  ، صيفه ،بارد بأشعة شمسها الشقراء  الفاترة   ، شتاءه مطر وثلج ودموع ، أما خريفه فحزن وكآبة . .ما بعدها كآبة !
أيها المهاجر ! أيها الغريب في مملكة الغربة الحزينة ، هل أنت سعيد ؟
 لقد حققت ربما ما كانت تصبو إليه نفسك من مال وجاه ، وحياة مترفة بالحفلات والرحلات ، أو أشبعت نزوتك باللحم الطري ، وارتديت الفرو وتنعمت بالحرير ، ولكن هل أنت سعيد ؟
  تعود إلى البيت وحيدا ، حزينا ، تسمع الموسيقى ، ولكن الأذن تسمع وشوشات ، وهمسات تتغلغل إلى أعماق نفسك فيطربك الحنين إلى أناشيد الطفولة : للمطر ، للثلج ، للحصاد والبيدر، أو ربما  تشاهد التلفاز، ولكن عيناك تبحث عن أشخاص وأماكن أخرى  ، فتجلس مهموما ، لا يشاركك في همك سوى خيالك الذي تسرح معه ، فيأخذك إلى جوف الماضي ، إلى دروب الطفولة الفسيحة ، المفعمة بالمرح واللهو ، حيث كنت تركض حافي القدمين  تحت المطر، أو ربما إلى تلك الميادين والأزقة ، مسرح ألعابك التي لم تكن تنتهي إلا مع غروب الشمس ،  أما في المساء ، وفي الليالي المقمرة ، كان يأتي دور الألعاب الليلية : " توش " " الغميضة " أو ربما " يا بو يادي غزالة " . 
 تدخل إلى المطبخ ، فيغيب عنه رائحة أطباق طعام وطبخ  الأم الشهية من برغل ، اوصحن " المجد رة " المدعوم  برائحة البصل المحروق ، تفتح المعلبات بسرعة ، تملئ جوفك مجبرا ، ولكن الشهية ليست هي ، واللقمة ليست هي ،إنها غريبة حتى ولو كانت مستوردة ،وكم تتمنى لو كان أمامك طبق من شوربة العدس من " إنتاج " الأم ، بحرارتها ، بنكهتها ، بطعمها اللذيذ مع " رأس " بصل بلدي يابس ، تفت فيه رغيف خبز التنور !
وقاك الله _ أيها المهاجر _ شر المرض !  تتمدد في الفراش وحيدا تتأوه كالجريح لا من الألم ، بل من البعد والفراق ، تحس وكأنك تحتضر ، فجبينك الساخن  يبحث عن البلسم الشافي ، عن أنامل  حانية ، دافئة تخفض حرارتك المرتفعة بلمسة من يديها الحنونة ، تنظر حولك ، فلا أحد يشاركك في ألمك ، الأصدقاء يسمعون عن مرضك بعد شفاءك ، أو ربما يأتونك بباقات ورد ولكن شفاءك ليس في العطر ، يذهبون إلى مقراتهم فتبقى من جديد مهموما ،وحيدا ، تتساءل في قرارة نفسك سؤالا مكررا : إلى متى سأبقى في ، وعلى  هذه الحال ؟ هل سأقضي بقية عمري في الغربة : غريبا ، وحيدا ، بعيدا عن أسرتي ، عن بلدي ، عن حارتي ، عن أحبابي وأصدقائي ؟
يأتيك الجواب من نصفك الطموح ،الذي يسترسل لك في سرد معاناتك التي كنت تعانيها في بلدك من بطالة أو فقدان حرية ، أو ربما من عدم تحقيق الأماني والأحلام ، فتتأفف من واقعك المرير وتتظاهر بالرضا عن حياتك التي تعايشها في بلاد المهجر ، انه تبرير لتهدئة النفس ، بل تخدير مؤقت لمشاعر متمردة تأبى الغربة ،تنتفض بين الحين والأخرى لتشعرك بطبيعتك الإنسانية ، التواقة للألفة ، للمحبة ولصلة الرحمة ،  فترّوضها بالآمل تارة ، أو بالغضب وذلك بتحطيم الزجاج ،أو كسر الصحون وأحيانا كثيرة بالتدخين ...أو بفتح قارورة ! وأي قارورة ؟ زجاجة كاذبة ، تفرحك قليلا في البداية ثم تحزنك كثيرا في أخر الليل  !
ويبقى " الآه " و "الأوف " و" الآخ " موالك الحزين تردده لنفسك أو على مسامع الأصدقاء ، إن جمعتكم
حفلة ما ، أو مناسبة ، لتكتمل الجوقة بالعويل على أيام العمر التي تمضي على دروب الألأم والأحزان في مملكة الغربة بحدودها الممتدة من العذاب إلى العذابات وعاصمتها  " الألم " !
                                         
 عامودا  24.10.2007

 

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics