ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

 

حوار مع الشاعر جميل داري

حسان عزّت

صوت شعري أتى من الجغرافيا القصية المحكومة بالعزلة والنأي, وغلبت على بداياته الواقعية والمدرسية في حين كانت القصيدة العربية في سورية تواكب تحررها وتجددها, بل كانت تلتفت إلى التمردات الأولى التي سبقت معها القصيدة العربية, وتخلصت من أثقال القيود والأزمان على أيدي أورخان ميسر, وخير الدين الأسدي وعلي الناصر, ثم على أيدي المدرس وخزندار في اللعب واكتشاف العبث وبعدهم على أيدي محمد الماغوط وإسماعيل عامود وعلي الجندي... ومنذ أواخر الستينات وأوائل السبعينات بدأت تتوطد قصيدة النثر العربية في سورية, على أيدي الشعراء نزيه أبو عفش, سليم بركات ـ حسان عزت ـ وبندر عبد الحميد وغيرهم, فلم يكن للجيل الذي أتى بعد السبعينات ومنه الشاعر جميل داري إلا أن يشتغل في المشغول أو يبحث عن آفاق غير مطروحة في الشعر وهو أمر في غاية الصعوبة... ومن هنا أصر الشاعر جميل داري وهو من منطقة عامودا, على أن يكتب القصيدة الكلاسيكية متزوداً لها بما عرف من التراث ومدافعاً عنها في وجه الحداثة والانقلاب, حتى برع في الغنائية وقصيدة التفعيلة, وإن أقبل مؤخراً على النهل من منابع الماغوط وأدونيس ونزيه أبو عفش, ولكن بحساب وتوجس... ولأنه شاهد على تحولات القصيدة العربية في سورية من موقعه, فقد التقيناه وكان لنا معه الحوار التالي:‏

* كيف تفهم المسافة بين ميلادك الواقعي وميلاد الشاعر فيك, كيف تكون بدون الشعر وماذا يعني لك هجر الشعر إذا هجرك؟‏

ـ كأني بك تشتهي سبر أغواري دفعة واحدة, فسؤالك هذا يحتاج إلى سرد مسيرة حياتي, ومع ذلك يمكن اقتناص اللغة المرة للوصول إلى غيمة هاربة..‏

قصتي مع الشعر تعود إلى أزمنة بعيدة كانت حبلي بالآلام والآمال.. لكني لست أدري كيف وجدتني أضع رأسي المتعبة على وسادة الشعر منذ مرحلة مبكرة من شبابي الآفل حتى الآن, كما لا أستطيع أن أفسر سبب شغفي بالشعر ورغبتي الجارفة في المشاركة في بنائه حيناً وتدميره أحياناً, وطالت الرحلة وتهاوت قيم ونهضت أخرى, وكنت دائماً (محكوماً بالأمل) متأثراً بقراءاتي الأدبية والفكرية لكن هذا الأمل بدأ يذوي شيئاً فشيئاً ليحل محله يأس زنيم ويشمل كل مساحة القلب.. قناعات كثيرة ولت وقناعات أخرى فرضت نفسها, الوحيد الذي لم يتغير في داخلي هو هذا الشعر الذي تغدو الحياة دونه قمامة حقيقية, فالشعر هو هذه الحديقة الروحية, هذه المروحة التي تخفف عن الروح قيظ الحياة اليومية التي تزداد بؤساً, وتفاهة, ولولاه لكان مصيري الغرق والاختناق والاحتراق وابتلاع الحسك والانتحار وكل وسائل الموت الأخرى, مع ذلك سؤلك هذا ينعشني, يرش رذاذ الطفولة على الجرح الغائر المزمن, يشعرني أني لست الوحيد الذي يكابد معاقرة الشعر الذي أرجم به صباح مساء...‍!‏

منذ ربع قرن.. تاريخ معرفتي بك وأنت تنتشلني من هجير الصمت إلى "ظلال الكلام" ديواني التعيس... وها أنت في الخليج تنبثق كالحبِّ من قاع روحي وتشوش عليّ عزلتي الخالدة.‏

* هل الشعر امرأة... وما علاقة القصيدة بالمرأة, والمرأة والشعر... أهي بوح باتجاه الخارج أم كلمات ورحلة في أعماق الذات ومن ثم فيض باتجاه الخارج.‏

القصيدة والمرأة هما الجناحان اللذان يحلق بهما الشاعر في سماء الخيال والإبداع.. وإذا لم تكن هناك امرأة من لحم ودم فلابد من امرأة الحلم... امرأة يخلقها الشاعر من ضلع اللغة والخيال والجنون... وهذه المرأة غالباً لا تشبه بنات جنسها... إنها استثنائية لا تشبه إلا نفسها ولا تتكرر قط.. فهي كالموت أو الولادة..‏

تخيّل نفسك دون قصيدة... دون امرأة... دون سباحة في بحر اللوعة.. دعني أستشهد:‏

يقول جاك بريفر:‏

"أنا والملك والحمار...‏

سنموت غداً..‏

الملك من الضجر‏

والحمار من الجوع‏

وأنا من الحب..".‏

في هذه القضية تتلاطم الذات وتبحر في غياهب الداخل والخارج في سبيل الوصول إلى أمنية تتبخر مثل السراب اللعوب.‏

* جميل داري أنت مشبع بالقصيدة الكلاسيكية الموقعة... ألا يشكل الدرب المطروق وأساليب النظم التي استنزفت شيئاً مستهلكاً... روتينياً بالنسبة لمشاعر جديدة يعيشها الشاعر وحالات لم يكن يعرفها من قبل... وتشكل عائقاً أمام وحشة من نوع جديد لا يمكن أن تروض أو تدجن في قوالب جاهزة...؟‏

تقول في قصيدة: للقلبِ رائحةُ الهشيمِ:‏

"لم أكنْ أعرفُ الرَّملَ.. هاهو يقضمُ ظلّي‏

لم أكن أعرفُ النَّخلَ.. هاهو يصعدُ أفقَ القصيدةِ مثلي...".‏

حيث تكثر في أشعارك الأخيرة القصيدة وما يدل عليها من رموز كملجأ وملاذ أخير لك... وتقول في مكان آخر:‏

"أنا يا ريحُ مثلُكِ أبحثُ عن شاطئٍ‏

لأضفّرَ فيهِ شَعرَ القصيدهْ"‏

إلى متى تظل القصيدة عصيَّة على الموت.. الاستهلاك.. الغرق في بشاعة الموت والاحتلال الذي نرى؟‏

لست أدري لماذا تتحامل على الغنائية المعبرة عن النفس الحزينة الشفافة.. وكبار شعرائنا تفعيليون وأنت نفسك مارستها حيناً.‏

يا أخي لم أشعر يوماً أن التفعيلة حجر عثرة في التعبير عما يجيش في النفس من أهواء وضلالات..‏

أنا معك في أن الشعر العمودي الكلاسيكي أفل نجمه ولم يعد قادراً على البوح والتعبير العميق.. لكن شعر التفعيلة لم يعلن إفلاسه ولم يسلم راياته وقد صار عمره خمسين عاماً… المسألة إذاً ليس صراعاً بين التفعيلة والنثر فالمساحة واسعة وكلاهما يمكن أن يصول ويجول بحرية, ولا أعتقد أن الشعر المنثور هو البديل الطبيعي والشرعي لقصيدة التفعيلة.‏

ليس من العقل أن نشطب الأشكال الشعرية السابقة على النثر بجرة قلم بحجة أنها لا تواكب العصر والمشاعر… لا سيما أن هناك نثراً صفيقاً وأنصاف شعراء ومراهقين ملؤوا الساحة الأدبية بزعيقهم… وأنا هنا لا أدافع عن شكل شعري معين, لكني أودّ القول أني أكتب بالشكل الذي يريحني (التفعيلة) مع علمي أن التفعيلة وحدها لا تصنع شعراً فثمة قصائد تفعيلة محلقة وأخرى هابطة… ثمة عناصر كثيرة لابد من توفرها كالموهبة واللغة الجديدة والرمز والصدق الفني وغير ذلك..‏

كما لست أدري سبب تشبثي بكلمة القصيدة… ربما العالم عندي قسمان: قصيدة ولا قصيدة, ولهذا أراني منحازاً إلى القصيدة التي ألوذ بها وأحقق في خضمها ما أعجز عن تحقيقه في مستنقع الواقع الذي يذكرني دائماً بقول أحد الشعراء:‏

"أهبطُ في عالَمي إلى الأسفلْ‏

فأرى رجلاً همجياً دونَ مبالاةٍ فوقي يتبوّلْ..‏

هذي الأرضُ تمومسنا… حتى ثدي الطفلةِ قبلَ أوانِ النضجِ تهدَّلْ".‏

هكذا وجدتني متشبثاً بثوب القصيدة, ومع مرور الزمن ظلت القصيدة وشماً في القلب و"حريقاً في الذاكرة", فعندما أجد العالم كله يتخلى عني ويتركني في عراء العدم ألوذ بالقصيدة التي تعصمني من الغرق في دخان أساسي وفي تفاهة ما يجري من حولي من نفاق وجبن وادعاء وازدواجية وانتهازية, فبماء القصيدة أحاول تنظيف روحي من هذه الأشياء لكي تبقى مدجّجة بأضغاث الحلم وسراب الأمل.. مع ذلك أشعر أن كل ما حولي يكنّ لي العداء ويأمرني بالطاعة العمياء وأنا الذي أتقزز مما قاله أبو جعفر المنصور للرعية يوماً:‏

(أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية…).‏

لذلك ترى أن أتفه القصائد تلك التي يدبجها المطيعون المهادنون الذين ملؤوا حياتنا وأرواحنا غباراً ودخاناً.‏

القصيدة إذاً هي نقيض الموت في الحياة, فالحياة بلا شعر تصبح أقل جدارة أن تعاش كما قيل, ولابد للمرء أن يحرق نفسه بنار القصيدة كي يولد من جديد.‏

* في قصائدك التي كتبتها جراح معتقة ووحشة أبدية… خيبة وأمل جريح (كلُّ بحرٍ توابيتُ لي ـ العصافيرُ فوق غصونِ دمي ميتةٌ ـ إنَّ هذا الصدى حشرجاتُ العصافيرِ لا زقزقةْ) أين تجد فردوسك المفقود وهل من خلاص للشعر والشاعر في جحيم أو منفى؟‏

ـ قصائدي كلها عزف على وتر الفجيعة, منذ الوطن البعيد وحتى الغربة الوارفة, ولا يمكن أن أتخيل قصيدة تعبر عن الفرح, فالفرح ليس مهنة الشاعر حسب تعبير الماغوط فمنذ وعيت أرى حولي الحرائق والجثث والكوابيس, ودائماً أتوقع شراً علماً أن وقوع الشر أهون من توقعه وقد قيل: أنا الغريق فما خوفي من البلل..‏

والفردوس المفقود سيظل مفقوداً إلى أبد الآبدين دون أن نفقد نعمة الحلم, وقد قال محمود درويش مرة:‏

"الحلمُ أصدقُ دائماً‏

والحلمُ أكثر واقعيهْ" أما الجحيم والمنفى فهما الوطن الأول والأخير للشاعر, وبحكم الألفة والعشرة اليومية يصبحان زاداً يومياً وديدناً راسخاً يصعب التخلي عنه.‏

ذات فجر عابق… في مكان جميل ما زال صداه يرنّ في روحي… كتبت:‏

"منفايَ مقبرةٌ وأحلامي جثثْ‏

هذا الزَّمان المرُّ يركلني‏

ويرميني على شطِّ العبثْ".‏

والآن كل فجر كاذب.. وكل مكان لا يعول عليه.. ماذا يمكن لي غير اجترار الصمت والركض في براري الوهم للوصول إلى المحال.‏

(في فمي غيمةٌ مرَةً ومذاقُ عدمْ في يديَّ هواءٌ ذَبيحٌ وفي الأفْقِ دَمْ.. أتضَّورُ شوقاً فأرفو رحيلي المدوِّي بخيطِ الأَلمْ).‏

* بدأت على ولع بالشعر الغنائي والإيقاع الظاهر, وتميل إلى الرومانسي الشغيف بعيداً عن طموح التغيير والتجديد في القصيدة.. ما الذي جعلك تنسحب إلى الجراحات الذاتية الممزوجة بالطبيعة أو تبتعد عن شعر المواجهات الاجتماعية والسياسية؟‏

ـ وما زلت مولعاً بالشعر الغنائي.. وما الضير في ذلك؟ وفي الوقت نفسه ألتهم النثر الجميل سواء في الشعر أو الرواية أو المقالة.. فالفن أخيراً يعرض نفسه عليّ دونما وصاية نقدية, وأريد التأكيد أن الغنائية في الشعر ليس مشكلة وليس عائقاً أمام غيرها من أساليب الشعر... لماذا إلغاء الآخر.. أبو تمام لم يلغ امرأ القيس وأدونيس لم يبلغ الجواهري... وكلهم شعراء ولهم أنصار ومريدون, كما أن الحداثة ليست قضية شكلية: نثر أو نظم.... بل هي رؤية حضارية إلى الكون والإنسان... وهذا يصح على شكسبير مثلا.‏

أما الشق الثاني من السؤال فليس هناك تقسيم مدرسي للشعر الذاتي والموضوعي فالتعبير عن الذات هو في الوقت نفسه عن الجماعة ولكن في فترة من حياتنا تأثرنا بالشعارات السائدة فرددناها وظننا أن العدالة المنشودة قاب قوسين أو أدنى لذلك أنهار مثل هذا النوع من الشعر الشعاراتي وسكت أصحابه بانطفاء وهج تلك الأشعار وبعضهم أبدى الندم لأنه أنشغل عن الفن الشعري بالمضمون الثوري الذي كان يطيح بالقوى الرجعية من خلال الجملة الثورية التي كانت تشفي غليل القوى البائسة في المجتمع.‏

الأمر الثاني هو أنني كتبت الكثير من القصائد الاجتماعية والسياسية في الانتفاضة الفلسطينية وحلبجة وإدانة الواقع الاجتماعي المتخلف ونشرت في الصحافة فترة الثمانينيات والتسعينيات, لكنني لم أنشر الكثير منها في دواويني العتيدة... لقناعتي أن مستواها الفني متواضع.. وأنا اليوم على قناعة أن الشعر لم يعد سلاحاً جباراً, في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية لأن الشاعر نفسه انكفأ على نفسه ولم يعد مؤمناً بهذه المقولة على الرغم من نبل هذا النوع من الشعر وتأثيره الكبير على عقول ونفوس الجماهير الغاضبة. كما لم يعد الشاعر المثل الأعلى المرسل من قبل آلهة الأولمب أو من وادي عبقر... ففيما مضى كان يضحي بمصالحه الشخصية في سبيل القضية الشعرية والثورية أما الآن فهو يبحث عن ذاته الضائعة في خضم التناقضات السائدة ولا سيماأن القضايا العامة لم يعد ينظر إليها بمنظار الأبيض والأسود والتفاؤل الثوري, كان الشاعر يفتش عن قاتل لوركا وعن شموسٍ جديدة أو يعبر الجسر لشرق جديد, والآن صار يبحث عن منفى يقيه من الأصدقاء والأعداء معاً, الشعر موقف ومن خلال هذا الموقف يصبح الشاعر إما فكرة وإما مثلاً يقتدى به, فإذا كان منحازاً إلى الصدق والفن فسيقرأ الناس شعره دون أن يستجديهم.‏

أحد كتاب أوربا كان محبوباً من الناس وعندما تعامل مع النازية رمى إليه الناس كتبه من فوق سور بيته... والكتب هي هي... إذاً مأساتنا في تناقضاتنا.. التناقض بين الواقع والحلم, وبين القول والفعل, بين المبدأ والسلوك... إن هذا يحبط ويوجع.....!‏

* تبدو في تجربتك الشعرية الأخيرة جزيرة شعرية ضائعة في محيط واسع وعميق, كيف تتعزى عن الوحشة.. تلوذ إلى جزائر شبيهة, تتمسك بالشعر وتقاوم, وأنت المحكوم بالنفي والعزلة...‏

ـ جلجامش كان يبحث عن عشبة الخلود, أما أنا فأبحث عن القصيدة التي لم أكتبها حتى الآن ومن خلال هذه القصيدة البعيدة المنال أستطيع التعبير عن رغبتي في الحياة كسائر الكائنات...‏

يقول محمود درويش:‏

"أما كانَ من حقّنا أن ننامَ ككلِّ القططْ...؟".‏

كان القدماء يلجؤون إلى الآلهة لإنقاذهم في ساعات المحن والشدة, أما أنا فألجأ إلى الشعر الذي يعصم الروح من السقوط في هاوية العبث والمستحيل...‏

ذات مرة سألتني جدتي: ماذا تقرأ؟ قلت: الشعر. قالت باستغراب: ما الشعر؟ قلت: هو شيء شبيه بصلاتك.. فراحت تصلي لإله بعيد ورحت أصلي لإله أبعد....‏

إن الشعر هو الذي يجعلني أقل ضجراً ويزرع في خراب العالم شجرة وارفة... هي شجرة الشعر... شجرة الحياة.‏

الشعر في زمنٍ يسود فيه الموت.. كل شيء يتعرض إلى الموت: الحرية ـ الوطن ـ الطفولة ـ الحب ـ القيم ـ ....‏

والعزلة تطوق الروح من كل الجهات... سمِّ ذلك هروباً أليس ذلك أفضل من شهادة الزور على عصر تسيل فيه الدماء كالأنهار وتزداد سطوة المال الذي شوه البشر والحجر...‏

إنه عصر مادي فلا مكان لي ولك على هذا الكوكب... الذي يتلوث بالإيدز والتهابات الرئة والقلب وجنون البشر...‏

ناظم حكمت قال: عصري لا يخيفني... عصري سافل ومجيد....‏

المسكين كان متفائلاً كثيراً... وليته عاش حتى الآن ليشهد موت صديقه البياتي... وموت وطنه... وموت المبادئ التي ضحى من أجلها.‏

جميل أن يكون للشعر جزيرة تؤويه كجزيرة حي بن يقظان... أو جزيرة كوبا...... أو أرواد....!‏

دعني في جزيرتي هذه وخذ العالم كله لك.‏

* أنت من جيل الثمانينات وتكتب القصيدة المعمدة... على عكس جيلك الذي يكتب قصائد النثر.. أثمة اتباعات لأصوات شعرية ورموز في سورية... ما الذي يبقى من تجارب شعراء السبعينيات والثمانينيات في سورية والمنطقة العربية... بحيث يشكل وهماً مستمراً وتخوماً مميزة!‏

* جيل الثمانينيات كتب التفعيلة كما كتب قصائد النثر وفي كلا المجالين نجاح وإخفاق, وفي هذه الفترة اندفع الكثير من الشباب إلى النثر ونجح بعضهم وأخفق الكثير وأنا عندما أكتب التفعيلة فهذا لا يعني تعصبي لها دون غيرها, فثمة تجارب تفعيلية رائعة منذ جيل الرواد وما بعدهم, ولا ينبغي الحكم عليها بمفاهيم مسبقة واعتبار التفعيلة نمطاً رجعياً. لأن قضية الموسيقا هامة في نظري وهي جزء صميم من القصيدة فالموهبة الشعرية هي الأساس فإذا انعدمت انعدم الشعر مهما أوتي من النظم أو النثر.‏

لا نظرية نهائية للشعر, ولا سقف للفن فالفضاء رحيب ولا يمكن لأحد أن يقف حجر عثرة في طريق النهر الجاري, نعم هناك نماذج رديئة جداً في شعر التفعيلة وفي غيره, وإن بحور الخليل ليست وحدها كافية لنسج دنيا القصيدة, فالشعر بجميع مذاهبه ومدارسه واتجاهاته فيه الرديء والجيد.‏

إن النقاش حول أولوية وأفضلية الأشكال الشعرية عبث لا طائل من ورائه فالحياة قائمة على الاختلاف ولا يمكن فرض أذواقنا على الآخرين, ما ذنبي إذا كنت لا أتحمل شعر (بول شاوول) مثلاً وما أكثر شعراء التفعيلة التي لا أطيق حتى قراءة عناوينها... كيف أفسر لك الأمر... لا أدري لقد أصابني دوار الشعر...!؟‏

بالنسبة لي فأنا أعرف نفسي, فلست نكرةً, ولست من النوابغ وكلا الأمرين لا يهماني, لأنني بكتابة القصيدة, أعبر عن نفسي كما يعبر الطفل عن نفسه بالبكاء والشحاذ بالاستعطاف والعاشق بالجنون... أعود إلى قصائدي ودائماً أشهق وأتمنى لو كتبت بشكل أفضل.‏

ثمة تجارب شعرية عربية في مرحلة ما بعد الرواد لكن لم تسلط عليها أضواء النقد كما ينبغي والتجربة السورية في هذه المرحلة غنية ومتنوعة, أما التجارب العربية فنجهل معظمها.‏

* هل تقوم بمراجعات نقدية لشعرك, ما هي معاييرك في ذلك.... وما الذي يبقى من شعرك الذي كان صدى للتجارب الشعرية العربية المعروفة بعد هذه السنين؟‏

ـ أعود إلى شعري لكن ليس بهدف التقويم بل للعيش بين حضن الذكريات والبكاء على زمن يتلاشى والتحسر على أماكن وأزمنة وأشخاص رحلوا أو صمتوا أو خانوا. أنا بشكل عام أحكم على شعري وشعر غيري بالذوق بعيداً عن التنظيرات الجوفاء والإملات النقدية... فما يهزني أعده شعراً وما عدا ذلك عقم وخواء..‏

ولا أظن أن هناك تجربة شعرية دون أن تكون صدى تجارب شعرية, والمهم هو التحرر من فلك الآخرين, فنحن لم نأت من فراغ, بل نحن صدى لماضينا وثقافتنا وظروف مجتمعنا... والفرق هو في درجة التعلق بهذا الصدى.... عد إلى أدونيس فإنك ستراه صدى للتراث العربي والغربي.. فهو وجودي وصوفي وماركسي وواقعي وفانتازي... واستطاع من هذا الخليط أن يكّون الشخصية الأدونيسية التي لم ينجح أحد في تقليدها حتى الآن.‏

* احك لي حكاية لها صلة بالشعر!‏

ـ نزيه أبو عفش في إحدى شهاداته الشعرية ذكر الحكاية التالية:‏

في حكاية بليغة: موحية وأخاذة يتحدث (بورخيس) عن حيوان غريب يدعى (سكونك) حيوان: خجول... عاطفي... حزين وانطوائي, ولأنه كذلك فهو يمضي حياته كلها مختبئاً تحت أغصان الأشجار, لا يفعل شيئاً غير أن يبكي ويبكي... وهكذا يتمكن الصيادون من تعقب آثار دموعه العطرة تحت قمر الليل... وعندما يحاورونه وتغدو نجاته مستحيلة يواصل البكاء حتى يذوّب نفسه إلى دموع.. لعلنا نحن شعراء هذا القارة التعيسة (سكونك) العائلة الإنسانية.‏

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics