Beş Kurd

 

ابراج

 

العاب

 

صور

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
    
 

 

 

 

أحن إليك أيها الطفل

 

إيه أيها الطفل ..

وماذا بعد ؟

ما لسيارتك المصنوعة من أسلاك الإطارات لا تفارق بالي ؟

تتعمد حرق عجلات مستهلكة وتستخرج أسلاكها , تلويها وتلفها بمهارة وتصنع منها سيارة أو جراراً وعدّتَها تحرث بها الأرض , فلاحاً فرحاً , مقلداً أباك . تزينها بندف القطن وأوراق الشجر وتسحبها مصدرا هديرا أو صفيراً من فمك .

ما لها لا تهجر خيالي ؟ وأنا أجلس خلف مقود سيارتي التي تصدر الصوت دون عناء من فمي وتتحرك بسرعة دون جهد من يدي ؟

وما لمرفشتك الصغيرة لا تغيب عن ذهني ؟

تحفر بها ترعاً صغيرة سواقيَ وجداولَ في التراب أمام بيت والدك الريفي الطيني , تزودها بالماء من إبريق جدتك وتسقي الأرض ألواحاً مربعة كما يفعل الكبار من أبناء قريتك .

ما لها لاتغادر ذاكرتي قطعة الحوّار في يديك النحيفتين , وأنا أعبث بحاسوبي ساعات طوال , وأنهمك بأدواتي الجراحية في غرف العمليات كل يوم ؟

تحكها بسطح خشن حتى تغدو كرة ملساء مثل بيضة الحمام , ترميها في الليالي الحالكةِ العتمةِ ويتعقبها فريقان من الأولاد , ليفوز من يعثر عليها ويوصلها بامان إلى جذع شجرة التوت أمام بيت خالك شكري .

ناداك المعلم , وطلب منك إحضار مشط من بيتك القريب من المدرسة , ليمشط بها شعره المتلبد بفعل رياح القرية الهوجاء .... , لعن الله تلك السهوة التي جعلتك تلفظ المشط ( مشكاً ) عند وصولك إلى البيت , ليغدو الموقف مسخرة على مدار سنين يحكيه الناس للفكاهة والدعابة وليصبح مثلاً في القرية يرددونه : ما للمعلم وللمشك ؟

تدافع عن نفسك أمام المعلقين قائلا ببساطة وبراءة : ولماذا لم يقلها لي بالكردية .

بعيداً .. بعيداً كنتَ , أيها الطفل , عن لعبة العروق والألسن .

ركبت أتانتك البيضاء الصغيرة مزهوا تتبختر بها أمام أقرانك وينتظرك حمو في طرف القرية قرب الوادي بعينيه الثعلبيتين وبسمته الماكرة , ينصب لك فخاً محكماً مستغلاً صغر سنك ويرشيك بقرص من دوار الشمس لقاء ركوبه أتانك لدقيقة , يركبها , ويغيب بها في الوادي لتعود الأتان بعد هنيهة دون حمو !

لإن كنتَ غضاً سهلَ الانخداع , ألم يدرك حمو أن لكل عروس مهرأ , وأن لكل زهرة أشواكاً , وأن لأتانتك حافرين صلبين  تدافع بهما عن شرفها ؟

ألم يعٍ حمو ذلك ليلازم الفراش اسبوعا كاملاً بين الحياة والموت وعلى بطنه كدمتين بنيتين منتبجتين مثل الفطر ينضحان دما وقيحاً ؟

ألم يعقل حمو ليجنب أعضاء جسمه من شر مَن لا يمكن ممازحته أو اللعب معه ؟

يأمرك أبوك للأهتمام بالخراف وقت العصر بعد عودتك من المدرسة , يملي عليك الواجبُ الطاعة , تدس كسرات من الخبز الجاف بين ثنايا ثوبك وتصطحب معك كتاب القراءة ودفتر الوظائف وقلماً وحيداً تملكه لتستأنف كتابة واجباتك المدرسية على تخوم الحقول قبل أن يحل الليل بظلامه الدامس وسُرُجِه الخافتة الأنوار , اللاذعة الرائحة , رائحة النفط الواخزة .

تأتيك الأوامر بإطفاء السراج والذهاب إلى السرير بعد صلاة العشاء بقليل , وتتماطل في تنفيذها , تأتيك مرة أخرى , وتتماطل , ثم تأتيك صفعة من الخلف , وشد من الأذن , وحكمة كردية :( Kurdo tro . xew jre xro  ) , ثم سحب إلى الفراش وتذكير بمصير محتوم : أتحسب نفسك ستصبح طبيباً أو محامياً ؟ تعلمت القراءة والكتابة , وتعلمت العربية , وغداً ستفهم ما يُطلب منك في الجيش , وهذا كاف , بل زائد أيضاً , هيا نم . ويُنفخُ على ذبالة السراج .

وتدس بجسمك الصغير بين أخويك على فراش واحد , على يمينك يكبرك بسنتين وعلى يسارك يصغرك بمثلهما , رؤوسكم على مستو واحد وأرجلكم على ثلاث مستويات مثل درجات السلم , ثم تبدأ معركة التدافع والتشاتم والتراكل ولا تنتهي إلى بثلاث صفعات : صفعة لكل مقاتل , يعقبها هدوء مطلق في ظلام دامس .

ترى , كم كنت قوياً أيها الطفل وأنت تتحدى !

قل لي : لمَ كنت ترنو بإعجاب إلى تلك الصغيرة التي تجلس على يمينك في مقعدك الدراسي وتتودد إليها ؟ ماذا كان يعجبك منها وأنت بالكاد تتخطى العاشرة , أكان مجرد إعجاب بريئ ؟ أم النسمة التي تسبق عاصفة الذكورة ؟ تخصص لها من وقتك لكتابة وظائفها ولا تنسى نصيبها من الحلوى من حصتك في البيت .

هيا اعطني يدك , سأشتري لك خفين من الجلد بدل هذين البلاستيكيين , أو سأشتري لك شيئاً لم تره من قبل قط : بطاطس تشيبس وجوس تشربه بالقشة لا غرفاً .

ينادي البائع الجوال وليس لديك ما تشتري به , تدخل مستودع بيت خالك لصاً خبيراً وتسرق جزّة صوف لتقايضها بكومة من العلكة , تدعو إليها كتيبة من أقرانك ليقضوا عليها في ساعة .

كم كنت كريماً على حساب غيرك !

تسأل أمك عن عمرك فتقول لك ستة , ثم تعيد السؤال بعد بضعة ايام فتسمع عين الجواب , تحتج غاضباً ومنتفضاً : لمَ لا أكبر ؟ لمَ يمشي عمري ببطء ؟

كنت تحلم بي , أيها الصغير , والآن أنا أحلم بك , يا له من دهر !

ترى , ما لها السنون تجري الآن حتى أكاد أطلب منها أن تتأنى قليلاً لأنال قسطاً من الراحة ومتسعاً من الوقت أنام لياليه قرير العين : أنْ لا جريَ ولا هرولةَ ولا سباقَ غداً .

ما لك تسكنني أيها الصغير ؟

وأنت بعيد عني مسافة ثلاثة عقود !

ما لي أحن إليك ؟

ألأني أعلم تماماً أني لن أعيشك ثانية أبداً ؟

وليتني كنت قادراً على ذلك .

لعشتك عمر نوح ثم تجرعت المنية .   

 

د. آلان كيكاني : 21\1\2011