
الصــندل
قصة قصيرة
بقلم : وزنة حامد
الشاحنات متراصة خلف بعضها , السائقون بانتظار
أدوار سياراتهم , خبراء مكتب الحبوب يتنقلون
برشاقة بين السيارة والأخرى , أقلام التجريم في
أيديهم تثقب الأكياس , يتسرب القمح عبر القلم ,
يحمل احدهم كيسا فارغاً ليملئ ما تسرب من القلم ,
العتالة في ضجيج , أشعة الشمس تلهب الوجوه , العرق
متصبب من الجسد , الشمس حرنت في قبتها تحدياً
لسرعة الإنسان , ارتفع صوت محمود :
- يا الله يا شباب أسرعوا لتفريغ الشاحنة , أمامنا
ثلاثون شاحنة أخرى ,
رد ابن عطية هذا العتال القوي :
- إن شاء الله ألف شاحنة , لسنا على الكهرباء أو
على النار .
- صحيح ولكن غداً العيد وعلينا الإسراع لشراء
حاجات البيت أما العتال علي مسح جبينه , تذكر
ابنته وهي تطالبه بشراء صندل لها , ثلاثة أيام وهو
ينتظر ليعمل مع ورشة , العتالة بازدحام حتى إنهم
جاؤوا من بلاد بعيدة بعض الشيء صعد الحمالون ظهر
الشاحنة الطويلة ( اسكانيا ) , وراح كل يحملوا على
ظهره كيسا ويسرع به فرحا سعيداً , العمل لا يزيد
عن ثلاث ساعات وتنتهي الأمور وتقف عجلة العمل
ويذهب كل واحد لداره , لتناول الطعام والقيلولة ,
وعند العصر سيستمح الحمالة ثم يذهب برفقة عائلته
إلى السوق التي ازدحمت في مثل هذه الأيام , أيام
العيد , انزل الكيس عن ظهره , عاد لكيس الثاني ,
العتالة كالنمل على المصعد الخشبي , كل يحمل ويفرغ
في موقع أخر على الأرض , حمل عليّ الكيس , عدا به,
وارتفع غناء عتال عجوز لكنه يراوغ الحياة على لقمة
عيشه , لم يستسلم للشيخوخة , روحه تقاوم التخاذل
والكسل , حبات من القمح تتناثر من ثقب كيس . يصرخ
أمر العتالة :
-
انتبه الكيس مثقوب .
عليّ لا يلتفت إليه , انه يفكر في الخلاص وصندل
ابنته الأحمر الذي يشتريه اليوم , العرق يزداد
أكثر , يسري من رقبة العتالة حتى مؤخرتهم , ترى هل
يعرق الحمار تحت حمل ثقيل .. ؟! لا ندري , لا يهم
غدا العيد وسيتناول كل عتال أكثر من الأيام
السابقة أجرته , عب علي كأسا من الماء البارد ,
صعد السلم لينحني ظهره باستقبال الكيس , حمله
بهدوء مشى به سريعا , السلم الخشبي تحت رجليه يهتز
, أحس بصداع يلف رأسه لا يهم , سيسقط الكيس بكل
سهولة , الطبيب قال له : إن صداعك يا علي ( شقيقة
) حاول الاتزان أكثر فوق السلم , انه شمشون الجبار
يحمل أكياس من الملح فوق ظهره , كل ما يسعى إليه
الوصول إلى ارض السلم ليسقط الكيس , بيدا المسافة
كانت بعيدة , غابت الرؤية أمام ناظريه , ترنح ,
اهتز مال عن طريق السلم الخشبي , سقط ... و .. و
سقط الكيس فوقه , اسكت آخر نفس لعلي , قال احد
لرفاقه :
-
انه لا يتناول أي وجبة , لقد اغميه عليه من الجوع
.
رد أخر
- الطمع ضر وما نفع ..
جاء مسؤول العتالة وبسخرية رفع رأس علي عن الأرض
وقال :
- عيب يا رجل كل يوم لك فلم جديد , وأسلوب جديد ..
قم .. قم .
علي لم يجب , وكانت عيناه جاحظتان تلعن الدنيا
التي تحول الإنسان إلى حمار ولا يستطيع حتى
الاعتراض على فحيح الجوع , حمل العتالة رفيقهم علي
جثة حامدة وبدل أن يسيروا به إلى الطبيب ساروا به
إلى البيت لأنه فارق الدنيا ومن عليها , والقي على
وجهه غطاء ابيض , لكن ابنته حين اخبرها بعودة
والدها , أسرعت بعمرها الوردي عشر سنوات وهي تكشف
الغطاء عن وجه أبيها ناهرة باكية ساخرة آمرة :
- قم لا تدعي النوم غدا العيد واشتري لي الصندل .