ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

 

* جليل ابراهيم المندلاوي *

في انتظار شيء ما

 

 

21.08.2009

كانت تنتظر شيئا ما يقلب حياتها رأسا على عقب.. يؤجج فيها انتفاضة تخرجها من القالب الذي يحتويها.. انها تعلم انها ليست الحياة التي تحلم بها مذ كانت غضة الاصابع اذ مهد الطفولة يحتضن احلامها حتى اضحت طرية الجسد لتبقى احلامها حبيسة بين الوان طفولتها.. انتفاضة جسد تخرجها من العالم الذي فرض عليها وتدخلها في عالمها الذي تعيش من اجله..

لم يكن بقارئ للافكار اذ ابصر في عينيها اللتين تفضحان صبية تبحث عن مهرب لأنوثة رهينة بين جدران لايجيد تشييدها الا رجال عرفوا تحت مسميات لاتعرف العشق.. لكنه كان يجيد سبر الاغوار من خلال عيون تثير فيه الرغبة في الابحار نحو اسرار لاتجرؤ على الافصاح عنها..

كان تعارفهما بسيطا جدا لايرقى الى الاهتمام في تفاصيله اذ كان تقليديا بالمعنى الذي تألفه هي اذ لم تشك في ان احدا يستطيع اختراق عالمها لما له من حواجز شيدتها بنفسها واحكمت بنيانها حتى شعرت انها احصنت البنيان.. كما لم يشك هو مطلقا بحصانة بنيانها ولا بنقاء سريرتها ورقة قلبها التي منحتها سمة اساسية من سمات الانوثة الحقيقية التي يبحث عنها كل انسان في بحثه عن الانسان..

في كل لقاء يكتشف فيها خصلة جديدة تشده نحوها وتحذره من الاقتراب من معاقلها.. تشعر بما يشعر لم يكن لذلك قيمة بالنسبة اليه طالما انها تسمح له بالاقتراب فحسب لمسافات معينة من جدرانها الحصينة دون ان تدري انه بدأ يخترق ماتشك ان احدا يستطيع اختراقه..

كانت تعتقد انها تجيد اخفاء انوثتها.. لكن لاتحجب الشمس بغربال.. رغم خسوفها الدائم.. لتشرق مرتين في العام الواحد كما يحدث في بلاد البلقان.. فلابد من مراسم خاصة لاستقبال شروقها..

اغرب مافيها انها تثق بكل من حولها الا انها تبحث عن شيء ما يجعلها تنفر ممن حولها.. شيء يمزق حاضرها ويجعلها تسمو عن ذاتها.. لذا كانت قد قررت الابتعاد عن مرتعها الاول حيث مهد الطفولة والصبا في مدينة صغيرة تقبع في اطراف البلاد حيث مجرى النهر العظيم يبعث على الحياة ليمتد على طول الارض ويسقيها فراتا اضفى عليها خضرة زاهية لتكتمل انوثتها وتمنحها لمن يحرث الارض ويتصبب عرقا فوق ثراها..

مزيج غريب من سحنات الالم وسمات السرور غزت ملامحها حتى تعذر فهم ماتخفيه لكل من ظن انه قادر على الغوص في اعماقها حتى يصطدم بصخور تمنعه من الاستمرار ليخشع امام سحر عينين فاتنتين.. حزن لفراق مهد الطفولة اذ كانت تتلمس قيودا كثيرة تمنعها حتى من الافصاح عن ذاتها.. وغبطة مليئة بالسرور كونها وصلت الى مرفأ جديد من مرافئ الحياة حيث بغداد تلك المدينة التي ابهرتها حتى كادت ان تجزم انها وجدت متنفسا لذاتها بين اسوار هذه المدينة الواسعة حيث لاقيود الا قيودها.. ولا حدود الا التي اختطتها بنفسها وجدران احكمت بنيانها حولها.. لكنها مازالت تبحث عن شيء ما يقلب حياتها رأسا على عقب.. يشعرها بالمزيد من الحرية لتنطلق ذاتها وتحطم حدودها وتهدم كل الجدران حولها.. لذا لم تشعر بكلل او تعب لتواصل بحثها..

كانت تحب المكان الذي تعمل فيه الا ان احلامها اكبر من العمل الذي لم يمنحها حرية الاختيار ورغم ذلك فانها لم تشكُ من ذلك لقناعتها انها ستجد شيئا ما يقلب حياتها رأسا على عقب..

شيء ما ايضا كان يدفعه لتجاوز حدودها وتسلق اسوارها لاستراق البصر الى حيث الاميرة محاطة بجوارٍ حسان يرقصن حولها وهي تسبح عارية في بركة من ماء عذب حيث جسد لايستطيع الاحاطة بوصفه لانه لم يرَ له مثيلا.. لم يخش حراسا اشداء احاطوا باسوار تلك البركة اذ انها تراه وتمنت لو ان احدا لايراه..

حاولت ان تكون كباقي النساء وشعرت انها كذلك لولا ان عينيه كانت تميزها عن باقي النساء.. مشيتها كباقي النساء.. ضحكتها كمثل الكثير من النساء.. ترتدي كغيرها من النساء.. الا انها تملك بريقا في عينيها يميزها عن باقي النساء.. ذاك البريق الذي لم يشك ابدا انه الطريق الوحيد لسبر اغوارها حيث تختفي الشمس حين تغيب ولاتشرق الا مرات معدودة في العام.. وحيث كل اسرار حياتها مختبئة بين طيات ذكرياتها..

كان يقف مع رفيق له في زاوية بعيدة عن جميع الحضور الذين ارتدوا اجمل ملابسهم لاحياء حفل سنوي كانوا قد اعتادوا احياءه منذ اكثر من نصف قرن من الزمان.. مئات من الحضور عجت باقدامهم الساحة الواسعة التي اقيم فيها الحفل..

جوارٍ حسان يرقصن والعيون تتربص بكل واحدة منهن في غفلة من الحراس الذين لم يكونوا اقل نهما في التهامهن بنظرات جائعة.. الكل موجودون الا هي كانت غائبة عن هذا الجمع.. رغم انها تتوسط الجواري.. كانت في ابهى حلة لها حتى عجز عن ايجاد وصف لها حتى وهي بعيدة عن تلك البركة الصافية.. لو كان رساما لابدع في تصوير لحظات من الشرود اضفت عليها حسنا لم يره في كثير من الموجودات لذا كان يراهن جواري.. جئن للرقص فقط.. عمَّ كانت تبحث؟!.. لم يكن مهتما كثيرا لأن اللوحة التي ارتسمت في خياله كانت ابهى من ان يبحث عن سبب لجمالها.. فيكفي انها كانت جميلة بالقدر الذي جعلته يهرب من امامها بل من المكان بأسره ليبقى محافظا على جمال لوحته.. رغم انه واثق من اصالة الجمال فيها..

ايام مضت دون ان يحاول الاقتراب من معاقلها حتى ضاق صبرا فهو ليس من بلاد البلقان اذ تعود كغيره من سكان المشرق والمغرب على شروق الشمس كل يوم.. لكنها تأبى ذلك اذ مازالت تبحث عن شيء ما... ومازالت تنتظر ذلك الشيء وهي على يقين انه سيقلب حياتها رأسا على عقب.. كما انها على يقين ان الانتظار صعب.. واصعب مافي الانتظار انها لاتعرف الشيء الذي تنتظره..

 

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics