ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

 

الان كيكاني

 

 

حديثُ شيوخٍ

 

 13.08.2009

جلسنا نتسامر , أنا ورهط من الشيوخ , في مضافة العم مسطو بعد وجبة العشاء التي دعاني إليها وجيرانَه في ضيعته التي بتُّ طبيبها الجديد , كانت القرية تكاد تخلو من الشباب , إذ أن رياح الشمال قد فعلت فعلتها في القضاءِ على الزرع والضرع وجلبِ القحط  والجفاف وجرفِ الشباب باتجاه الجنوب ليستقروا في دمشق وبيروت بحثا عن لقمة العيش , ومنهم من اجتاز الحدود ليعمل في دول الخليج أو طار باتجاه أوروبا , تاركين آباءهم في حراسة بيوتات القرية الطينية المتواضعة .

والشيوخ يطيب لهم الحديث عن الماضي لأنهم أبطاله وشبابه وبناة أمجاده وصانعو مآثره , ولأنه الماضي , مملكةُ الحنين مرا كان أم حلوا , فإذا كان الحديث يتناول أمورِ سالف العصر والزمان فإنهم يصغون إليه بصمت وخشوع خشية أن تخونهم آذانهم التي تصلبت طبلاتها حتى باتت تحتاج إلى ترجمان ذي صوت جهوري , أما إذا كان الكلام عن العصر والتكنولوجيا فإنهم منه براء وسرعان ما يبدؤون بالتثاؤب والشخير جلوسا أو يقومون إلى الصلاة حتى إن لم يكن وقتها .

وفي غمرة الحديث قالت الحاجة عيشو تشكو كنتها :

-     رحم الله تلك الأيام , حيث كان الأخلاق والذوق الرفيع . كنا نقدم  فيها على فعل المستحيل لنيل رضى حمواتنا وأبنائهم وبناتهم , أما الآن فقد انقلبت الموازين   فصرنا نعمل , نحن العجائز , لكسب ود كناتنا , وإلا سنموت من الإهمال والجوع, كل ذلك لأن أبناءنا باتوا يصفّون مع زوجاتهم ضدنا . كنَّتي فريدة غادرت منزلها منذ شهر وتأبى العودة إلى عشها الزوجي ما لم يجهز بيتها بغسالة آلية ومكنسة كهربائية . من أين له ابني المسكين أن يشتري لها ذلك ؟  وهو يعمل ليل نهار وبالكاد يغطي مصاريف بيته وأولاده .  كنات هذا الزمان يأتين إلى بيوت أزواجهن ليأكلن ويشربن وليمتطين ظهور بعولهن ليقدنهم على هواهن , غير آبهات بأوضاعهم وظروفهم المالية .  في زماننا كنا نستيقظ مع صياح الديوك نصلي ثم ننقض على  الشكوى لنخض بها لبن مئات الشياه , ولم نكد ننتهي منها حتى يأتي دور العجن والخبز .........

وهنا تدخل بكو قاطعا حديث عيشو وقال :

-     صدقت والله , يا عيشو , الغلو في دلال المرأة من قبل زوجها يؤدي بها إلى البطر , أيام  كنا شبابا كانت العادة أن يصفع العريس عروسته صفعتين عند دخوله عليها في الليلة الأولى  قبل أن يمسها وبذلك كانت تبقى مطيعة له خائفة منه تسعى لإحراز رضاه ما دامت حية . وفي هذه الأيام يدخل المتزوج إلى عروسته وفي يده باقة من الورود , يقدمها لها مقدما معها الولاء والطاعة وباصما لها بالعشرة على الرضوخ والخضوع التام , فكيف ستطيعه في المستقبل ؟ .

بعد برهة من الهدوء اعتدل رمو في جلوسه وقال :   

-     كان لي صديق حميم أيام الصبا والشباب يجمعنا الود والاحترام  , لكن شاءت الأيام أن نفترق كل إلى جهة ونحن لم نزل عزبا , فقد قطع الحدود التركية السورية ليعيش خلفها قريبا من بني عمومة له هناك . بعد ثلاثين سنة من الافتراق , وكنا قد تجاوزنا الخمسين , دفعه حنينه لزيارة القرية وحل ضيفا عليَّ لعشرة أيام , وكان قد أعجبه ما قدمته لي فاطمة من الطاعة والاحترام أثناء مكوثه معنا وهو ما دفعه إلى القول : يبدو أنك توفقت في زواجك من فاطمة , يا أخي , فأنا قضيت ثلاثين سنة من الذل والمهانة مع زوجتي , فهي إن قلت لها سيري يمينا فإنها تسير يسارا وإن قلت لها أن لون القطن أبيض فستحلف بالمصحف على أنه أسودٌ , ولم تطعني يوما في أمر , رغم أنني جربت عليها كل الأساليب بما فيه العنف . فقلت له : يبدو أنك , يا عزيزي , لم تتصرف بحكمة في ليلة دخولك عليها , فأنا وضعت قوانين التعامل في الليلة الأولى فظلت فاطمة ملتزمة بها ولم تحد عنها قيد أنملة حتى الآن رغم فوات ثلاثين سنة عليها . فقال : وكيف تصرفت الليلة الأولى أرجوك قل لي ؟ وفي الحق أنني لم أتصرف بأي سوء مع فاطمة على مدار الثلاثين سنة التي عشتها معها , ولم أصفعها في ليلة الزواج , إلا أنني أجبت على سؤال ضيفي  مازحا : في الليلة الأولى يا صاحبي أدخلت معي خروفا ومسدسا , ربطت الخروف جانب الفراش وفاطمة تراقب مصدومة  دون أن تنبس بكلمة , جلست بقربها وأمرت الخروف بزئير عنيف قائلا : آتني بكأس من الماء أيها الخروف !!!  فلم يتحرك الحيوان المسكين من مكانه فأخرجت المسدس وقتلته بطلقتين فهوى يسبح في دمائه وكانت فاطمة قد جمدت في جلوسها مصعوقة بما شاهدت وبعد دقائق , وقد عاد إليها الروح , أمرتها بهمس يكاد لا يسمع قائلا : آتني بقليل من الماء يا فاطمة , وقبل أن أكمل كلامي قامت بسرعة البرق وجلبت الماء . ومن يومها لم ترفض لي طلبا ولم تخرج عن طاعتي يوما . عندما أكملت حديثي لاحظت أن  شرودا قد أخذ فكر صاحبي ولم أعلم بمَ كان يفكر وقتها , إلا حينما زارني للمرة الثانية  بعد زيارته الأولى بأشهر  فقد جاء ليقول لي : آه يا صديقي , ماذا فعلت بي ؟ فقلت وماذا فعلت بك ؟ فقال :  بعد زيارتي لك ذهبت إلى البيت وكان في فكري أن أعيد الأمور مع زوجتي كما ينبغي أن تكون وقد قررت أن أطبق خطتك التي حدثتنيها , أدخلت معي الخروف إلى الغرفة آخر الليل وطلبت منه أن يأتيني بكأس من الماء وعندما لم يتحرك الحيوان امتشقت مسدسي  وبقرت بطنه بطلقتين فاندلقت أحشاؤه مع نافورة من الدم , كل هذا وزوجتي تراقبني مفتوحة الفم استغرابا لما يحدث , ثم خرجت تولول وتصيح طالبة النجدة وتقول : يا عالم , يا ناس , النجدة , النجدة , لقد جن زوجي . وهنا اجتمع علي الجيران والأخوة والأبناء , أخذوا مني المسدس وقيدوني , وعبثا حاولت إفهامهم ما كنت أخطط له بعملي . وإنما داروا بي شيوخ المنطقة كلها طالبين إخراج الجن من جسدي ولم يبق مشعوذ ولا دجال إلا ومسد رأسي وقرأ التعاويذ عليّ . قلت له بعد أن شبعت ضحكا أن الخطة لها زمان معين وهو أول ليلة من الزواج أما أن تأتي بعد ثلاثين سنة لتطبقها فإن للناس حينها الحق في وصفك بالمجنون .

وبعد أن هدأت موجة الضحك قال العم علو :       

-     وأنا أيضا لا زلت أذكر بمرارة قصة دخولي على زلوخ في الليلة الأولى , فكما ترونني الآن فأنا منذ الصغر ضعيف البنية عكس ما كانت عليه زلوخ , رحمها الله . دخلت عليها في الليلة الأولى من زواجنا فنهضت احتراما كما ينهض الجندي محييا عند دخول ضابط كبير الرتبة عليه , وفي صمت رفعت يدي لألطم وجهها , إلا أنها تناولته من المعصم ولفته لفةً قوية خلت أن يدي اقتلعت من الكتف وجعلتني أدور حول نفسي نصف دورة حتى كان ظهري مواجها لها , ثم ركلتني ركلتين على مؤخرتي وأطلقت يدي فسقطت على الفراش الزوجي الذي كان آنذاك يفرش على الأرض لا على السرير , وقالت لي : والله لو لا الحياء لصفعتك مئة صفعة , هل آذيتك بشيء كي تضربني  , أيها الأحمق ؟

ما إن انتهي الجمع من الضحك على كلام علو حتى كان الدور لشكو الذي قال :

-     أما أنا فصفعتها , ويا ليتني لم  أصفعها , فأمينة كانت ابنة المدينة , وأبناء المدن دائما هم أكثر مدنية من أقرانهم الريفيين وأقل ميلا إلى العنف , صفعتها مرتين فظلت واقفة دون حراك كتمثال, وكل ما فعلته هو أن قالت : ألا تعرف أن تقول مرحبا بدل هاتين الصفعتين ؟؟؟!!  وعندها , يا جماعة , وددت لو أن الأرض انشقت وبلعتني من شدة الحياء , إذ فجأة انعكست الآية فقد أحسست باني فظ غليظ القلب ووجدت نفسي أرنبا ضعيفا في حضرة لبوة جبارة , وأنا الذي أقدمت على فعلتي لأثبت لها أنني أسد لا يتردد في استخدام قوته , وعليها أن تهابني . بعد مضي ستين سنة لا زلت أشعر بالخجل كلما تذكرت ذاك التصرف الأرعن الذي قمت به .

ظل الشيوخ يرمون سهامهم على صدور الشباب حتى آخر السهرة حيث كان الختامُ سهماً إلى صدري عندما قالت الحاجة عيشو موجهة كلامها لي :

-          لم تحدثنا يا بني , هل ستصفع زوجتك عندما تتزوج , أم أنك ستدخل عليها بباقة من الزهور ؟

لم أكن حينها على استعداد لفتح جبهة في حرب الأجيال لذا التزمت الصمت وإنما أجاب مضيفي مسطو على سؤال عيشو قائلا :

-          أعتقد أن الدكتور سيعمل ما كان يعمله ضابطنا الفرنسي .

وهنا تملكني فضول في معرفة ما كان يقوم به الضابط الفرنسي فقلت :

-          وماذا كان يعمل الضابط يا عم مسطو ؟

فقال مسطو :

-     كان طويلا ضخما بحجم الفيل , مبروم الشوارب , مفتول العضلات , كان الكل يخشاه ويتجنبه خوفا من ركلاته وصفعاته , إلا أنه عندما كان يواجه زوجته كان ينحني لها مثل بعير ينخ ويقبل يدها في ذل ومهانة .

وهنا رأيت أن لا بد من التدخل فقلت له :

-     يا عم مسطو الضابط قبل يد زوجنه فغزا حفيده السماء وسار على سطح القمر , وأنت صفعت زوجتك ليهاجر حفيدك آلاف الأميال بحثا عن خبز يأكله , فأيهما الأصح الصفع أم التقبيل ؟

يبدو أن كلامي لم يعجب مضيفي فنظر إلي نظرة استشففت من خلالها شيئا من العتب , وكأن الرجلَ حزنَ على دجاجته التي ذبحها على شرفي .........

 

بعد أيام عدت إلى المدينة , وفي سهرة مع خلٍ عزيزٍ قصصت عليه ما سمعتُه من طرائفٍ من أفواه الشيوخِ , قال صديقي : اسمع هذه : كان جدي , رحمه الله , رجلا قليل الكلام ولكنه لا يقول إلا الصدق ولو أحرقه بنار الوعيد , في عصر يوم من أيام الربيع وبعد هطول المطر جلس وثلاثة من جيرانه في العراء وكان الأربعة قد تجاوزوا الثمانين فنظر أحدهم إلى البعيد , يظلُّ عينيه بيده , حيث السهل الأخضر  الممتد أسفل الجبل وقال : آآه , لو كان لي ألف رأس من الشياه  لسرحت بها في هذه الساحات الخضراء حتى تكنزَ الشحمَ واللحمَ وتولدَ بخرافٍ سمانٍ أبيعها لأبني قصرا في أرضي و................وقال الآخر : آآآه , لو كانت تلك الأرض الحمراء المسطحة لي , لزرعتها زيتونا وبعد خمس سنوات لدرّت عليَّ بالملايين و................ وقال الثالث : آآآآه , وصار يروي أمنيته هو الآخر , وقبل أن يكمل حديثه  قاطعه جدي ليقول بصوت حاد : أما أنا  , فعندي أمنية أيضا .  فنظر إليه الثلاثة يسترقون السمع , وتابع جدي يقول موبخا : أمنيتي أن تقوم أمهاتكم من قبورهن لأضاجعهن واحدة واحدة ....... آهاتكم سببت لي الصداع  ماذا بقي لكم من العمر أيها الحمقى  ؟!!... أنتم على شفا قبوركم وتحملون في عقولكم كل هذه الأمنيات .  ؟!.....من يسمعكم يخال أنكم شباب في مقتبل العمر .............

وكان المزيد من الضحك .

 

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics