ابراج

 

العاب

 

صور

 

مسلسلات

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
 
 
 
 

 

 

د . آلان كيكاني

 

 

يومَ خجلتُ كوني طبيباً

 

 

16.10.2009

زقزق داء العصر المتشبث على خاصرتي زقزقة مبتورة جعلت لعابي يسيل على شاي نهاد , الجار الصائغ , المحضرِ بالقرفةِ والمعطرِ بالمسكِ والمطيبِ بنَفَسِه والمحلاةِ بدماثتِه وخفةِ دمِهِ , على عجلة أغلقت باب عيادتي ونزلت الأدراج قاصدا محله القريب الذي يشعشع فيه بريقُ الذهبِ وحسنُ وجوهِ الزبائن , على نقيض وجوه زبائني الظاهرة عليها آثار الألم والمعاناة والفقر والخوف .  جلسنا نرشف من أكواب الشاي ونلوك بما طاب من الفكاهة والطرفة وعلوم الحي  إلى أن دخل علينا عروسان لا تزال صبغة الحناء بادية على أصابعهما تبهر الناظر وتفتح شهية الأعزب على الزواج , كانا يلمعان في نظافتهما , والجديد من لباسهما , ويفوحان بأطيابهما , وما زاد من جمالهما تحررهما في سلوكهما وطلاقة لسانهما وهما يحادثان نهاداً عن حفلة زفافهما بعفوية بريئة دون تكلف أو تحفظ , والعريس كل دقيقة يدور حول عروسه في اهتمام بيِّن مثلما يفعل الدوري وقت السفاد .

بعد أن سلمهما خاتمي زواجهما المنقوش عليهما من الداخل اسميهما وتاريخ زواجهما قال نهادٌ بلسانه المعسول ردا على وداعهما وداعيا لهما : إنشاء الله ستتزينان بخاتميكما في عيد زواجكما الثمانين .

ثم خرج العروسان يبتسمان للحياة والمستقبل بسمةً عريضة .

بعد تخطيهما عتبة باب محله شرع نهادٌ يحدثني عنهما وعن قصة حبهما التي طالت قبل الزواج بسبب فقر عائلتيهما وقلة حيلتهما ثم أضاف بالحديث عن حسن خلقهما  والعمل الشاق الذي يقوم به الشاب لإعالة أربعة أيتام من أبناء أخ له  مات بحادث سير وهو في ربيع الأجل . على أن سلوكهما لم يكن يشي بفقرهما , فالفقراء أبداً أشد حياءً وأكثر ترددا ً , وهو الأمر الذي زادني إعجاباً بعزة نفسهما البعيدة عن الزيف المادي , وحالا تذكرت أن العروس كانت لا تتزين بالذهب إلا من سوارتين خفيفتين , عكس عرائس الأغنياء اللواتي يملأن سواعدهن أساوراً من الرسغ حتى المرفق ويلبسن أكماما قصيرة لضمان عرضها فخفخةً .  

 

لم يكد يمر أسبوع حتى لمحت الشاب في أحد المستشفيات الخاصة  يتجول بين أجنحتها من المخبر إلى الأشعة إلى المحاسب إلى الصيدلية , وكأنه يدفع فواتير مريض على وشك التخرج وقد ذهب ذاك النور عن وجهه وحلت الكآبة محل البهجة في محياه .  

دخلت إدارة المستشفى فرأيتها في حيص بيص ,  أربعة أشخاص في شر وجلبة  وشجار لا يخلو من البذيء من الكلام  , يسمع صوتهم من على بعد عشرات الأمتار , بدا الخلاف على المال , فدرت قافلا أتجنب الصداع من مسألة لا ناقة لي فيها ولا جمل , بيد أن الفضول دفعني إلى المحاسب أسأله عما يجري في إدارة المستشفى فقال :

أحد الرجال هو سائق تاكسي وهو الذي أسعف المريضة ليلا إلى منزل الممرض الذي هو ثاني الأنفار الأربعة  , أما الثالث فهو طبيب في الأمراض الباطنية أقدم على فحص المريضة بعد الممرض , وبسمسرة منه , فوجد علتها جراحية فأرسلها إلى طبيب جراح وهو العنصر الرابع بين المتخاصمين , والآن هم مجتمعون يتقاتلون على الغلة , كلٌ يريد حصة الأسد حتى وصل الأمر إلى أن يُطلب من زوج المريضة المسكين  دفع أربعة أضعاف الفاتورة المستحقة كي يشبع غريزتهم الهوجاء وجشعهم الأعمى .  ثم أضاف الرجل ساخراً : إنهم أشبه بجوارحٍ شرسة بقرَ الجوعُ قوانصها جاؤوا ليلتهموا لحم جيفة , أو ضباعٍ  خاوية الكروش ألْفَت ميتةً اجتمعوا عليها بنهم , وليسوا أطباء وممرضين مهرة أتوا لإنقاذ حياة إنسان .

 

لم أعر عظيم اهتمام لحديث المحاسب كون الموضوع لم يكن جديدا وإدارة المستشفى لم تخلُ يوما من شجار مشابه ولِعينِ السبب . خرجت من المستشفى أسير راجلاً إلى عيادتي في شرود قطعه على الطريق نداء جلال , الصائغ هو الآخر , والمصاب بداء السكري يدعوني إلى شرب الشاي لقاء استشارة مجانية , كما درج على قولها مزاحاً . ما إن ولجت باب محله حتى دخل خلفي العريس زوج المريضة , وهو لا يزال في ثوب الغضب وعَرَضَ سواري عروسته يسأل عن ثمنهما . أجابه جلال عن قيمتهما فصعق وشحب لونه , ثم خرج لدقائق كافية لوصوله إلى المستشفى , حيث ترقد عروسته على السرير المرضي , وعودته , وعاد ليدخل مرة أخرى وهو يعرض السوارين , وقد أضاف إليهما الخاتمين , للبيع , الخاتمين اللذين نقشَ عليهما نهادٌ شيئا من قلبهما قبل ثمانية أيام , وتمنى لهما لبسهما في عيد زواجهما الثمانين .  وضع العريس الخشر على الميزان ونظر إليه بعينين دامعتين  وتنهيدة عميقة , وكأن قلبَه , وليس الذهب , موضوعٌ للبيع في صحن الميزان , كنت مدركا لما يجول في خاطر الرجل الذي لم يبدِ أي حركة تدل على أنه قابلني من قبل أو يعرفني  ورغم ذلك طأطأت رأسي خجلاً منه عندما وقعت عيناه على عيني صدفة لمعرفتي أن زملاءً لي سببوا له ما هو عليه من ضنك وتعاسة .

بعد خروجه قال جلال وهو يناولني جريدة :

خذ واقرأ هذا الخبر يا دكتور , بات الخلاص من هذا المارد وشيكا , أطباء غربيون وجدوا حلا للسكري بزرع خلايا من بنكرياس الفئران تحت الجلد .

ثم أضاف مازحاً وساخرا :

هه , قل لي يا دكتور , وماذا اخترعتم أنتم يا أطباء الوطن ؟

قلت :

نعم , اليوم وجدت اختراعاً طبيا بنكهة وطنية , اليوم تمكن أطباؤنا المهرة من اختصار ثمانين سنة بثمانية أيام .

 

بعد شهور تعرض أحد الطبيبين لمسائلة قانونية بعد أن شكاه أحد المواطنين اثر عملية فاشلة أجراها لابنه ,  لم يكن الطبيب مؤهلا قانونيا وعلمياً  لإجراء تلك العملية إلا أن سهرة مع القاضي وما تلاها من وضع ظرف مختوم في جيبه , جعلته يربح القضية بيسر وسهولة , ووضِعَ الخطأ الطبي ضمن خانة القضاء والقدر .

حدثنا في جلسة  عن انتصاره على خصومه في القضاء بفخر ونشوة , جعلني أذكر نابليون بونابرت في مصر حين جاءه رسوله من فرنسا يقول واصفا الوضع في الوطن الأم  :

لقد انتشر الفساد , يا سيدي , وعمت الفوضى وساد انحلال الخلق ..............

فقاطعه نابليون سائلاً :

وماذا عن القضاء ؟

فرد الرسول :

القضاء بخير أيها القائد .

فقال نابليون :

اطمئن إذاً , ففرنسا بخير .

 

سأل عن القضاء ولم يسأل عن الطب والصحة لعلم هذا الرجل العظيم أن فساد الطبيب هو آخر الفساد , وهو مرحلة لاحقة لفساد القاضي , ولا فساد في الطب في ظل قضاء صالح .

 

 

د . آلان كيكاني

 

 

 
 
 
 
 
 

E-mail    info@amouda.com

Webstats4U - Free web site statistics