
نساء مفخخات
لافا خالد- الثرى
انفجارات تهز أطراف الدول وعواصمها ولا تستثني أعتى العواصم
العالمية، من الفاعل؟ هو السؤال الاعتيادي الذي يطرحه المسؤولين والإعلاميين كلما
دوى انفجار هنا وهناك، في الانفجار الأخير الذي هز أركان روسيا وكان الفاعل امرأة
انتحارية وقف محلل استراتيجي روسي وقال بلكنة عربية مكسورة
علينا أن نحذر ثورة النساء في هذه الحرب الكونية الخفية والمعلنة ونقف بعمق ونقدم
تحليلا شاملا للدوافع والظروف التي دفعت بهذه المرأة وتلك إلى هذا الطريق المفخخ
والمليء بالأشواك و لما تقحم نفسها في هذا الحقل المليء بالألغام والخطر؟
ونحن نرى أنه بدلاً من أن تحمل حقيبة تحوي قائمة بمشتريات حاجاتها اليومية لمطبخها
المتواضع وتهيئ وجبة الطعام لأطفالها أو تضع في حقيبتها أدوات ماكياجها لمضاعفة
أنوثتها، نراها هنا وهناك تشد حزاماً ناسفاً حول جسدها معتقدة بأنها خير وسيلة
وأقدس فضيلة للقاء الأنبياء والقديسين، ضغطت على الزر، تحولت بلحظات إلى شظايا وسط
الأبرياء المتناثرين من الفقراء والحالمين، من خلال المتابعة نرى تراكم هذه الحالات
وتتكرر الصورة حتى أصبحت مألوفة وبالذات في عراق ما بعد الاحتلال، صورة الإرهابية
أو المجاهدة من وجهة نظر طرفي الصراع، مادة إعلامية وساحة للصراع الفكري والحضاري
بين مختلف الأطراف، المشهد والصورة تحمل في ثناياها تناقضاً ظاهراً، المرأة،
طبيعتها وتكوينها السيكولوجي وأنوثتها التي اقتربت من الخمولة والسلبية المطلوبة
عند الكثيرين من الرجال مع فعل التدمير الذاتي وقتل الآخرين، تناقض يمكن حل شفرته
من خلال فكر هذا الأسلوب في المواجهة إضافة لمعانات تاريخية عاشتها المرأة ومازالت
تلقي بظلالها على مفردات حياتها، معانات خلقت فيها طاقة كامنة و لحظة حرجة تنتظر
شرارة مُنطلقة، قد تكون بواجهة إيديولوجية اليسار أو ممارسة الجهاد بمفهومه بعد
أحداث 11سبتمبر، وفي أفضل الأحوال يطرح البعض مشروعية الدفاع عن الوطن وتحرير
الإنسان.
مفخخات بدون حجاب:- يعتقد البعض بان العمليات الانتحارية وبالذات النسائية منها جزء
من طقس جهادي لمنظمات إسلامية متطرفة تمارس نشاطها في الدول الإسلامية و تصدرها
للغرب الكافر على حد تعبير تلك المنظمات، الرقعة الجغرافية التي شهدت عمليات
انتحارية للنساء توضح وبجلاء إن هذا الأسلوب ليس حكرا على تلك المنظمات وحاضناتها
الفكرية، فهي تمتد من أفغانستان إلى فلسطين المحتلة لتشمل العراق و الهند و لبنان و
باكستان و روسيا و الصومال وسريلانكا وأوزباكستان، هوية من تُقدم على تلك العمليات
تتوزع بين شيوعيات عملن من أجل تحرير الوطن من الغزو كما جرى في جنوب لبنان بعد
الغزو الإسرائيلي عام 1980 ومجموعة "الأرامل الشيشانيات السوداء" حيث قمن بارتكاب
عمليات انتحارية بعد وفاة أزواجهن في المعارك ضد الوجود الروسي إضافة إلى أتباع
نمور التاميل و حركة إيلام في سريلانكا. إذن العمليات الانتحارية لا تمثل صناعةً
للموت أو تعبيراً عنيفا لتمرد الإسلام السياسي بقدر كونها اقتباسا لها ومن ثم
توظيفها في الصراع بإضفاء الجوانب الدينية عليها وإعطاءها مشروعية الاستمرار
باعتبارها جهاد دفع وفرض عين وليس بجهاد طلب الذي يلزم فيه موافقة الزوج أو ولي
الأمر للخروج إلى ساحاتها. إن اختلاف الجهات التي تمارس تأنيث المفخخات جعل من
مشروع شيكاغو عن الأعمال الانتحارية يعترف بتلك الحقيقة ففي تقرير للمشروع أكد إن (
سيرة تلك الفئة من المهاجمات الانتحاريات من النساء نرى أنها تكشف عن مجموعة متنوعة
واسعة من الإيديولوجيات والخبرات الشخصية)
تأنيث المفخخات.. الأسباب والمبررات:- الصورة التي أشيعت عن الإرهابي المفترض في
وسائل الإعلام الغربية تُختصر بشاب ملتحي وبشرة سمراء وشعر اسود، حينما يدخل هكذا
نموذج في المناطق العامة فان حالة التأهب تبدو واضحة في عيون الغربيين، الصورة
المُفترضة تم نقلها إلى المجتمعات الشرقية، ولمواجهة العمليات الوقائية وتحقيق عنصر
المفاجأة لجأت تلك المنظمات إلى النساء، ولم لا فتأنيث المفخخات عملية سهلة ومن
الصعوبة رصدها وتفتيشها وبالذات في المجتمعات الشرقية لعوامل دينية واجتماعية، لذا
نرى إن أرقام الانتحاريات في تصاعد فحسب صحيفة النيويورك تايمز ذكرت "لندسي أورورك"
إن النساء يشكلن نحو 15 في المائة من الانتحاريين من بين الجماعات التي تستخدم
الإناث. ولكن ما لذي يجعلها قابلة للتفخيخ رغم أنوثتها وقدرتها على خلق الحياة من
خلال الإنجاب؟ إن الأسباب التي تدفع بالمرأة للقيام بهكذا عمليات هي ذات الأسباب
التي تدفع بالرجال إضافة إلى الواقع المأساوي التي تعيشها المرأة والتي تدفعها
للخلاص من عالمها هذا على أمل بناء حياة أفضل للأجيال المقبلة عند بعضهن و حياة
تُبعث من جديد في عالم آخر عند الأخريات، إن قراءة سريعة لواقع الانتحاريات وحياتهن
يؤكد وبما لا يقبل الشك إن إقدامهن على تلك العمليات يرتبط بوجود الاحتلال وما
يرافقه من فقدانهن للأولاد والأشقاء كما هو عليه الحال مع ساجدة الريشاوي التي
حاولت أن تفجر احد الفنادق في الأردن حيث قتل 3 من إخوتها على أيدي القوات
الأميركية في العراق أو الظروف التي ترافق اعتقالهن في بيئة اجتماعية تعتبر اعتقال
أو سجن النساء عار لا يمكن تحمله لذا فان العديد من العراقيات اللواتي أفرج عنهن من
السجون الأميركية أقدمن على ممارسة هكذا أسلوب إضافة إلى التجربة الشيشانية حيث إن
اللواتي فقدن أزواجهن كن السباقات لممارسة هكذا أسلوب. بغض النظر عن مشروعية هكذا
أسلوب والمبررات المطروحة من قبل الأطراف المتحاربة التي توثق الصورة كانجاز لها أو
ضد الآخر فان إدخال النساء في الساحة التي كانت حكرا على الرجال وبالأخص في خندق
ينتج عنه تناثرا للجسد بين طرفي الصراع وفي كثير من الأحيان يكون الأبرياء فيه
شظايا تناثر فكر بحاجة إلى إعادة النظر وإعادة الاعتبار للنساء... فهل التي تشد في
خصرها حزام ناسف ناقصة في عقلها ودينها.... سؤال لم تطرحها بعض الانتحاريات قبل أن
تضغط على الزر
ونبقى لنقول: مهما كان حجم الألم عظيما فالخطأ لا يبرر مقابلته بخطيئة أكبر لا
تقتلي نفسك ولا تقتلي بأوامر القتلة الأبرياء الآخرين تذكري أنهم هم يزرعون الموت
والمرأة دوما تصنع الحياة.