Beş Kurd

 

ابراج

 

العاب

 

صور

 

افلام

 

فيديو

 

اغاني

 

الرئيسية

 

 
    
 

 

 
 

الشعب يريد استرداد الحياة

 

فسر الكثيرون الثورات الناهضة,بأنها ثورة جياع و غضب,أما أطرف تفسير فقد جاء به سفاح ليبيا الذي فلسف الثورة بحبوب الهلوسة,بينما أقبح تفسير فقد تفوه به منافق اليمن حين نقل غرفة عمليات الثورة إلى تل أبيب,أما ممن حاولوا ملامسة الحدث من زاوية أعمق,فقد أدركوا بأنهم أمام نماذج لثورات مبتكرة,دون أن يفهموا  حقيقة ما يجري من تبدلات اجتماعية واقتصادية وسياسية,في مجتمعات توصف بالخنوع والعقلية الجبرية,ذلك لأن الزاد الفكري لهولاء المحللين الذين يحتكرون المنابر الإعلامية,لا يتجاوز المفهوم الكلاسيكي  للثورات,وحتى هذه لم يشغلوا أذهانهم بها,كونهم لم يحسبوا احتمالات قيامها,حيث الهوة بين النخب الفكرية والسياسية القديمة وبين الأجيال الصاعدة,لا تقل عن المسافة الفاصلة بين الحاكم والمحكوم,من جهة جهلهم بنبض الشارع,ولهذا لم يستوعب النخبويون,مشاهد ثورات فجائية,لم يخطط لها قادة,ولم تفجرها أحزاب,ولم تحركها إيديولوجيات,ليقفوا منها موقف الدهشة والانبهار,دون القدرة على تفسير تغيرات أخذت تجري,تجارب جديدة من حراك مركب,عناصرها شرائح اجتماعية ناهضة,أدواتها غير  مألوفة,صناعها شباب,أربكت المفكرين والحكام,فلم تتح لهم فرصة تحرير وعيهم الراكد,من منظومة أفكار صلاحيتها منتهية,فحاولوا بالقديم تحديد ماهية أنماط ثورية مبتكرة,لا علم لهم بها,لتأتي أرائهم اقل من سطحية,حين أحجموا عن كشف العوامل الموضوعية المتراكمة تحت هذه المطالب"التكتيكية الذكية"التي رفعها الشباب بداية,لتفادي عمليات بطش السلطة,ريثما تصمد الثورة في ساعاتها الأولى,حيث رهان الشباب على الثبات في اليوم الأول,لإدراكهم أن صمودهم سوف يحطم أسطورة السلطة التي لا تقهر,والقدرة على مواجهتها وعدم الخوف منها,مما يشجع إعداد لا متناهية للانضمام إلى  صفوفهم,ما ينم عن دراية عميقة لشباب الثورة بأحوال المجتمع,ليوظفوا حالة الاحتقان والاستياء في توحيد كافة مكوناته,وكسبهم لتأييد الثورة,وقد نجحت إستراتيجيتهم في الاعتماد على الشعب في إفشال إستراتيجية القتل التي تعتمدها دولة الاستبداد,التي بمقدورها أن تقتل الألوف,ولكنها لن تتحمل قتل المزيد,لان أجهزتها الأمنية تبقى في النهاية جزء من الشعب,فلا خيار أمامها سوى الاختباء أو التمرد على السلطة الغاشمة والانضمام إلى الثورة,وهذا أمر شائع في التجارب الثورية,فقد أخذت بوادر الخلاف تظهر بين حرس الثورة الإيراني,وهذا يجرد سلطة الاستبداد من عوامل قوتها,فلا يبقى لها من خيار سوى التنحي أو جر البلاد إلى حرب أهلية,وهذا الشرط الثاني الذي راهن عليه الشباب,بمعرفة عالية وإدراك عميق,انه ليس بوسع السلطان أن يرتكب مذابح جماعية,أو يتحمل مسؤولية حرب أهلية,في ظل فضاء إعلامي مفتوح يراقب الشاردة والواردة,ويوثق الدلائل والقرائن لتقدم إلى المحاكم الدولية,للقصاص من مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية بحق مواطنيهم,ولذات السبب فان القيادات الأمنية والعسكرية,تجنبت استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين حذرا من مصير جنرالات الحرب الذين يقبعون في السجون.

لو كانت ثورة جياع,أو صدفة,أو ردة فعل,فلماذا انضمت إليها شرائح اجتماعية من مختلف الأعمار والأجناس والطبقات والتوجهات والأطياف ممن لديهم ثمن خبز و عمل,ولماذا تحملوا طواعية,عناء السكن في العراء والبرد وقلة الأغذية والأدوية,وهم يواجهون الموت على يد  حكومات البلطجية والعسكر و المرتزقة,ألا يعني هذا أن دوافع مشاركتهم بالثورة أعلى من مطالبهم المعلنة,إلا يعني أنها ثورات متكاملة وشاملة,مطالبها تجسد إرادة امة,في الخروج من إلى مرحلة تاريخية جديدة,تبعا لنواميس الطبيعة,وجدلية حركة التاريخ,فمن أين لها كل هذا الوعي العميق,والتخطيط المبدع,ما لم تكن ثورة متكاملة,لن نأتي بجديد إذا فسرنا الثورة,على أنها ردا على القهر الاجتماعي و الظلم الاقتصادي,فكل الثورات تتضمن مسببات  اجتماعية واقتصادية,ولكن بالنسبة لثورات الشباب,فأن لهذه المسببات خصوصيتها وأبعادها الفريدة,التي لم تكتشف بعد,إلا ما يستشف من أفكار ومطالب شبابها,وما يطرحون من قيم تجديدية,ومفاهيم أخرى عن الوطن والدولة والسلطة والدستور,ما يغري الباحث بالغوص في عقول شباب الثورة,لاستكشاف البعد الثالث"المجهول"الذي فجر مواهبهم,لتحقيق منجز تاريخي- حضاري,وهو أن جدلية العلاقة بين الحرية والثقافة والقانون,ودورها التكاملي في إنتاج المجتمع،قد فعلت فعلها فكريا ونفسيا في بلورة رغبة الشباب بتغيير الدولة والمجتمع,إذ لا يمكن لأي عنصر من عناصر المعادلة السابقة من المحافظة على فعله الايجابي في عملية تطور المجتمع في ظل غياب العناصر الأخرى,فلا حرية بدون قوانين تنظم ممارسة الحريات على مستوى الفرد و المجتمع,بحيث تكون نتائج ممارستها ايجابية على مسيرة تطور الوعي الإنساني،ولا معنى للقانون في ظل كبح الحريات وتغييب الثقافة والمثقفين,لأن القانون عندها يفقد مسوغات وجوده ويتحول إلى أداة لفرض الديكتاتورية وفكرها الشمولي,وعندها كرد فعل طبيعي يتشكل وعي اجتماعي معارض لقانون لا يمثل مشيئة المجتمع،أوليس إصرار الثورات المتنقلة على إسقاط أنظمة الحكم يعني رفضها لسلطة ودولة لم تعد تمثل تطلعات شعوب المنطقة,كما أنها بالمقابل تطرح ثقافة بديلة,تصيغ علاقة متوازنة بين مكونات المجتمع,وفي الحقيقة فان هؤلاء الشباب وضعوا أسس هذه العلاقة,قبيل إعلان ثوراتهم,بالاستفادة من تقنيات التواصل الحديثة,ليمارسوا حريتهم بسلوكيات متحضرة,تحت ظروف الاستبداد والتسلط,تمهيدا لإنتاج مجتمع يتبنى ثقافة جديدة,تقر بان الحرية سلوك مهذب,يحق للجميع ممارستها,وان القانون أداة لتطبيق إرادة الشعب و تلبية مصالحه,وان الدولة ليست سجنا للمواطن,بل بناء إنساني راق تهبه الراحة والاطمئنان,فلا يخجل من انتمائه إليها,وقد فات أصحاب الرأي اكتشاف ميزة ثورات الشباب على أنها ثورة ثقافية- فكرية- معنوية,لم تنطلق من  البطون الخاوية فحسب,بل من الرغبة في التخلص من الأنماط المعيقة لحركة الحياة,بل من عقول غنية بمشاريع ثقافية بديلة عن ثقافة الاستبداد,التي فرضتها شرذمة جاهلة,تجد الشعب مجرد جرذان,لا يحق لها المطالبة بالحياة,كونها متطفلة على دولة العائلة,زمرة جهلة يفسرون الحرية والقانون والحقوق,على مبدأ الغالب والمغلوب,فالحرية امتياز خاص لصاحب الغلبة الذي ينظر إلى المغلوب نظرة أعداء وأرقاء,وهذا شكل بدائي من تنظيم العلاقات داخل المجتمع,طبقه الاستعمار في الماضي السحيق بحق الشعوب الخاضعة,ولكن حتى الاستعمار تخلى عن هذه الهمجية,وبات أكثر إنسانية,فقد منحت بريطانيا العظمى كثيرا من الحقوق إلى شعوب المستعمرات,أسوة بمواطني المتروبول,فنظمت علاقاتها مع مستعمراتها عبر رابطة الكومنولث,وكذلك فرنسا عبر الفرانكفونية,وقد اكتشفت شعوب المنطقة أنها إزاء أنظمة حكم محلية,تعتبر من أشرس أنواع الاستعمار,وذلك لان هذه شعوب بفضل وسائل الوعي والتثقيف الحديثة,دخلت العصر الجديد,بينما الشرذمة الحاكمة  انكمشت على نفسها تخلفا وانغلاقا,واستمرت تحكم بنفس العقليات البالية,والمنهجيات والأساليب العقيمة,لاعتقادها أنها نجحت والى الأبد في تحويل الشعوب إلى جرذان,ليس بمقدورها أن تخرج من جحورها لتتنفس إلا بمشيئة الزعيم الإله,لتنفصل عن شعوبها ومجتمعاتها,وقبل هذا وذاك انفصلت عن حقائق  الواقع,فلم تنتبه إلى التحولات التراكمية الجارية بصمت,لجهلها بحركة التاريخ وجدلية الحياة,حيث الظواهر الطبيعية والاجتماعية لا تعرف السكون,بل استمرارية الوجود تعتمد على قوانين التحول والمتناقضات,فرغم تخوف أنظمة الحكم المطلق من فقدان احتكارها لوسائل الإعلام الحديثة,إلا أنها لم تبادر إلى حلول ناجعة لتبديد مخاوفها,بل طبقت إجراءات صارمة في كم الأفواه,ومنع حرية التعبير,وإلقاء الألوف من أصحاب الرأي في السجون,وقد تمادى الحاكم في تطبيق هذه التدابير البدائية,رغم إدراكه أنها لن تنجح في حجب المعلومات والإخبار عن مواطنيه,فلم يخطر بذهنه الحجري,أن ثورة المعلومات تختزن بداخلها ثورة سوف تطيح بعرشه,من هنا لم يخطأ من أطلق على هذه الثورات اسم ثورة الفيسبوك,ولكن لماذا هي ثورة الفيسبوك,لأن شبابها تمكنوا من استخدام الانترنت ليس للتواصل فيما بينهم من اجل التخطيط والتنظيم للثورة,بل لان الفضائيات والمواقع الاجتماعية,أحدثت انقلابا صامتا تراكميا متسارعا,في نوعية وكمية الوعي,بإيجادها نوع جديد من الوعي والثقافة,ليس لدى  الشرائح الاجتماعية الوسطى والمتعلمة فحسب,بل بقدرتها الفائقة في التواصل مع الشريحة العامة التي لا تقرأ ولا تكتب وتوعيتها بالقيم الحضارية والإنسانية وحقوق المواطنة,كون الفضائيات والنت تستطيع تثقيف الشريحة الأمية,لأنها تمتلك خاصية تثقيف العامة عن طريق الوسائل السمعية والبصرية المتطورة,فاليوم  بات بالإمكان أن نجد مواطن أمي ولكنه مثقف,يدرك ما له من حقوق,ويعلم من هي الجهة التي تغتصب حقوقه,وكانت نتيجة هذا التراكم المعرفي هي أن الشارع تفوق بوعيه الميداني على النخبويين,وعلى الحكام الذين وان تعلموا في أرقى الجامعات,إلا أنهم عجزوا عن التحرر من أميتهم الفكرية والثقافية والسياسية,ولهذا فأنهم يقفون اليوم مذهولين من التغيرات العاصفة التي تشهدها مجتمعاتهم,التي نهضت تقتلع دول الطغيان والفساد,كونهم استخفوا بقدرات شعوبهم,وبالغوا في الثقة  بأدوات البطش والإذلال في أنها سوف تحمي دولة الفرد,من حالة الاحتقان الشعبي,التي كانوا يتحسسونها دون أن يبادروا إلى معالجتها,وهذه نقيصة الحاكم الجاهل الذي لا يقيم وزنا لأعظم قوة تستطيع الإطاحة به,وهي قوة الشعب,الذي قد يسكت على الظلم حينا ولكن لا بد أن ينفجر,خاصة في عصر الإعلام المفتوح,لم يدرك الحاكم خريج أكسفورد!!أن التغيير من طبيعة الأشياء,حتى يلاحظ التبدل الحاصل في وعي وثقافة هذه الكتلة البشرية الهائلة,التي فرضوا عليها حياة العزلة والانعزال,حتى أصبح لديها  انطباع عام بأنها تحت شكل مختلف من أشكال الاستعمار,دخل القاموس السياسي تحت مسمى الاستعمار المحلي,الذي وجدوه أكثر شراسة من الاستعمار الأجنبي,ففي استطلاع رأي أجرته فضائية عربية,حول ما إذا كان المواطن العربي يفضل سلطة وطنية أم سلطة استعمار,جاءت النتيجة حسب المشاركين في الاستبيان,بأن المواطن يفضل سلطة الأجنبي,وهذا يدل على مدى حالة الضيق والإحباط التي أصابت المواطن,جراء هذا النوع القاتل من العلاقة بين الحاكم والمحكوم,فلم تأخذ أية حكومة عربية,نتائج مثل هذه الاستبيانات بعين الاعتبار,بل اعتبرت إن المشاركين فيها عملاء للامبريالية,وكان المفروض بها أن تأخذ المسالة بكل جدية,إذ انه مؤشر خطير يستحق الاهتمام ,حين نجد مواطنا يحبذ حكم الاستعمار على الحكم الوطني,لكن هي  سلطة الجهل الممنهج والأمية الفكرية,التي تهدف إلى طبع المجتمع بطابعها الخاص,لتنتزع منه خامات تحضره,وتفرض عليه ثقافة عبثية ظالمة,تكرس نظام الاستبداد,فجاء الرد الشعبي على شكل  ثقافة بديلة,تحمل في طياتها مقدمات بديهية لإنتاج سلطة ديمقراطية,ومجتمع عادل,ونموذج رجل  الدولة  البديل,المثقف العصري,المشبع بالقيم الإنسانية الرفيعة,المؤمن  بالسلطة كواجب عليه وليس امتياز له,المدرك بان بالقانون أداة لحماية الحريات العامة والفردية والأمن الاجتماعي,وليس وسيلة لشرعنة القمع والاستبداد.

هذه التحولات العظمى,ليست طفرة,ولا حالة عفوية,بل هي نتاج صراع الأضداد في قانون الجدلية,فالتركيبة الكلية للدول المنطقة في الألفية الجديدة تركيبة جد متخلفة جد قديمة,تعتمد الاستبداد سياسة شاملة,لضمان احتكار شريحة ضيقة للسلطة,وقد اعتقد السلطان الجائر أن الاستبداد عنصر ايجابي بالنسبة له يضمن تأبيد احتكاره للدولة,فلم ينتبه إلى أن الدكتاتورية تحمل في جوانبها عامل فنائها وهي الديمقراطية,ففي البداية تكون الغلبة للدكتاتورية,إلا أنه بفعل التحول الذاتي,تفقد الدكتاتورية عنصر الغلبة,وتتحول بالنسبة للحاكم  إلى  عنصر سلبي سوف يطيح به,فالدكتاتورية بحكم عدائها للمواطن وحقوقه,وكبحها لمصالح المجتمع,تدفع إلى تشكل عقلية جمعية,تبدأ بالتحرك ضد دولة وسلطة مناقضة لها,لإيجاد دولة من تركيبة جديدة وسلطة بديلة,مصالحها لا تناقض مصالحه,بذلك يمكن تفسير الثورات المتنقلة,على أنها حل للمشاكل التي تعترض سبيل النمو الاجتماعي,لوجود تناقض داخلي بين فئات الشعب والأقلية الحاكمة دون تفويض,وبناءا عليه فان الثورات الناهضة نضال لا بد منه  لتحقيق الانتصار,في الصراع الدائر بين الخير والشر,وما ينبثق عن هذه المفاهيم الأزلية من دلالات ومعاني معاصرة,من صراع بين أشكال دول احفورية وبين أشكال دول حيوية,بين استبداد قاتل وديمقراطية تهب الحياة،بين منظومة قيم ثقافية,فكرية,دينية,بالية  خانقة وبين ثقافة حرة منعشة,بين أخلاقيات الفساد والإفساد وبين الاستقامة والنزاهة,بين التحجر وبين الانفتاح,بين هدم كيان الفرد وهدر كرامته وبين إعادة الاعتبار له وتقديس وجوده الروحي والعضوي,بين قمع الموهبة والإبداع والابتكار والأفكار وبين رعايتها واحتضانها,وبين تقاليد تكرس الطواغيت مطلقا غيبيا مقدسا وبين أعراف تنزع  قناع الزيف عن حاكم دجال حتى يمكن محاسبته,وبين حظائر تمثل الدواب وبين برلمانات محترمة تمثل إرادة الشعب,وبين توزيع المال العام على جزء الجزء من مجموع السكان إلى كل الكل,وبين إلغاء والاثنيات والأقليات وبين احترام هويتها القومية والدينية وحقوقها الإنسانية,مضامين عناصرها تتصارع تفرز تحولات كمية و كيفية  لصالح معاني الخير,لان تثبيت الأنماط القديمة,يولد أنماط جديدة تناقضها,فلولا الدكتاتورية والبطش ما كانت الثورات الديمقراطية تنفجر,مبشرة بميلاد شرق أوسط جديد نقي من شوائب إيديولوجيات تحتقر قدسية الإنسان بذرائع غيبوية مطلقة,شرق أوسط جديد يجد فيه  المواطن هويته وحقوقه وإنسانيته,تحت فضاء الحرية والإبداع .

زاكروس عثمان                                                         sibasdar@gmail.com