الطائفية: إحدى الخانات الجندرية للتمييز

أحداث سوريا الأخيرة نموذجا

 

عامر خ. مراد- الثرى

الطائفية هي إحدى المفاهيم التي ظهرت قديما نتيجة الاختلاف في بعض الأفكار والآراء والمعتقدات الدينية أو العرقية والاثنية الناتجة إما عن الوضع الجغرافي أو اللغوي واللهجوي أو الفكري وبدأت شيئا فشيئا تستفحل في بعض المجتمعات ولكنها في الوقت نفسه بدأت تختفي ظاهريا وعلى مستويات عميقة أيضا في واقع بعض الدول ومنها سوريا التي لم تشهد في السنوات الأخيرة حالات مستفحلة من تواتر الحديث عن الطائفة الفلانية أو الفلانية

وفي الأحداث الأخيرة بدأت بعض الجهات بالحديث وببث هذا المصطلح وبدأت تتداوله حتى بدأت أوساط سورية مثقفة أيضا تتناوله مع أنها غير متأكدة من أي خلل في ميزان التساوي بين هذه الطوائف من الناحية الفكرية في نظر الشارع السوري الذي لم يسمح بهذه التفرقة.
ولقد بدأت جهات تثير خوفنا وتثير حفيظتنا عليها هي لأنها بدأت تطلق تسميات سني، شيعي، علوي، كردي، عربي، مسيحي، درزي وغيرها من مكونات الشعب السوري الرائع في نسيجه غير القابل للتعاطي عمليا مع هذه المفردات التي تحاول خلق العداء بين هذه المكونات المتآلفة وما التمييز بحسب الفئة الطائفية( هذا التمييز الجندري على أسس غير سليمة) إلا محاولة لتأجيج الصراع الداخلي ونقله من مستويات البحث عن الحرية وبعض المطالب الوطنية إلى البحث عن صراع لا يحقق سوى مصالح بعض الراغبين في التدمير وغير الراغبين في أن يحقق الشعب السوري طموحاته الخلاقة.
وربما البحث عن حل وطريقة لمنع هذه المجموعات من الوصول إلى أهدافها يكمن في ذهنية الشعب السوري الرافضة للتمييز على أي أساس جندري معين ولكن ربما يبقى من المفيد التأكيد بين الحين والآخر على ضرورة رفع الوعي الشعبي باتجاه إدراك هذه الحقيقة للعمل لمنع تسرب ولو القليل من هذه التسريبات إلى الشارع الوطني بكل تنوعه الجميل.
ومن جهة أخرى فإن رغبة الناطقين بمثل هذه الكلمة ما هي إلا إبعاد وتشتيت للانتباه لرغبة الشعب في الحقوق نحو البحث عن مزايا فئوية طائفية ومحاولة لإضعاف الشعب السوري بأكمله وإدخاله في دوامة الصراع الداخلي والقتل وهذا ما يؤدي إلى فقدان الإنسان لدوره ككائن حي حر له الحق في العيش الكريم وما الإنسان إلا كائن اجتماعي يود بل يصر على العيش المشترك ويحيا به ولا يمكنه العيش دونه ولكن شريطة أن لا يكون هناك أي اختلاف بينه وبين الآخر وتحل المساواة محل الطائفية وتنسى هذه المصطلحات فها هو شاهد عيان يتحدث إلى إحدى الفضائيات وهو متحدث من بانياس ويذكر كلمة علويين ويقول بأن هناك طائرات قامت من منطقة يسكنها علويين متهما هذه الطائفة بضربهم وهذا هو عين الخطأ لأن ذكر أسماء أمر غير منطقي وغير دقيق في مصداقيته ومن مختلف الجهات، ويخرج متحدث حكومي سوري ليجادله فيقع في نفس الخطأ ليذكر كلمة مسيحيين.
إن الطائفية شكل من أشكال التمييز على أسس غير ذات أهمية بالنسبة لمن يعترف بإنسانيته ولكنها تشكل أكبر المصائب لمن يعترف بها ويراها أساسا لوجوده ويعيرها كل الاهتمام فهذا لا يقبل بأخيه الساكن إلى جواره لأنه لا ينتمي إلى نفس الدين أو نفس القومية أو نفس الأفكار أيضا وهذا الأخير بدأ يشكل طائفة بذاتها.
وما الطائفية إلا أعدى أعداء اللحمة الوطنية في أي بلد ما لأنها تؤدي إلى الانهيار في جميع المجالات والأصعدة وما الغريب في الأمر هو عودة هذه الظاهرة كلما ظهرت اختلافات أو خلافات في الرأي ومهما كانت الدولة متقدمة فما السبب هل هو الرغبة في العودة دائما إلى الوسائل المتخلفة لمحاربة الوحدة الوطنية؟ أم هو في الأساس عدم سلامة سريرة للمواطن السوري أصلا، أي هل هو يحتفظ دائما بهذه النظرة الطائفية في أحشائه ويظهرها حين يختلط الحابل بالنابل أم أننا نحلل الأمور بشكل معاكس لما هي موجودة في الواقع وأن الشعب السوري بالأساس لم تزل الطائفية من مخيلته؟
إن الافتراض الأخير غير قابل للمصداقية لأننا نجد معظم التجمعات وعلى مختلف أشكالها تحتوي في مضمونها على أشخاص من مختلف الطوائف ومع تناغم وتجانس تام إذا فالسبب هو في هذا التحريض غير المباشر الذي تقوم به جهات معينة وفي هذا الدفع بقوة نحو اتخاذ هذا المعيار الطائفي أو ذاك أساسا للتعامل في هذه المرحلة العصيبة والذي تتلقاه فئات ضعيفة ليس لها سوى اللعب على الأوتار الحساسة للاستمتاع بالفتنة والمغزى من كل ذلك إضعاف كل الأطراف ليحلو لمن يريد السوء بهذا البلد أن يتنفذ في الأمور وبالتالي في أن يتحكم بالإنسان السوري كما يحلو له ويبدأ بهضم حقوقه كما يشاء.
إن هذا الاختلاف على أساس الطائفة ككل أشكال التمييز الجندرية الأخرى لابد لها من الزوال والعمل على ذلك بشتى الوسائل وأحيانا بإهمالها لأنها لا تستحق البحث فيها ولكن عند الضرورة يجب محاربتها لأنها تمس كل إنسان سواء في حريته الفكرية وسواء في سلامة حياته.